المغرب.. كلمة آمنة بوعياش تفتح سؤال الحياد المؤسساتي وحدود الخطاب الحقوقي

في الديمقراطيات الحديثة، لا تُقاس قوة المؤسسات الدستورية فقط بما تقوله، وإنما كذلك بالموقع الذي تختار أن تتحدث منه، واللغة التي تستعملها، واللحظة التي تختار فيها التدخل.

ومن هنا تكتسب كلمة رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، السيدة آمنة بوعياش، خلال تقديم الخلاصات الأولية لملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، أهمية تتجاوز مضمونها المباشر، بالنظر إلى صدورها عن مؤسسة دستورية مستقلة، وفي لحظة سياسية وانتخابية شديدة الحساسية، خصوصاً مع حديثها عن توظيف الدين والرموز الدينية في الحملة الانتخابية.

وكان المجلس قد أعلن رسمياً رصد 44 حالة ميدانية مرتبطة بتوظيف الدين والرموز الدينية، إلى جانب 6 حالات لتنظيم أنشطة انتخابية داخل أماكن العبادة، فضلاً عن رصد أكثر من 2030 محتوى رقمياً مرتبطاً باستخدام الدين في الخطاب الانتخابي. ومن بين المضامين التي أشار إليها المجلس محتويات صورت التنافس الانتخابي باعتباره مواجهة بين «كفار» و«مسلمين»، أو بين من هو «مع الدين» ومن هو «ضده».

لكن السؤال الذي يستحق النقاش ليس: هل يجوز للمجلس أن يرصد توظيف الدين في الانتخابات؟

فالجواب، من حيث المبدأ، نعم؛ بل إن ذلك يدخل ضمن صميم الملاحظة الانتخابية واحترام القواعد المنظمة للعملية الديمقراطية.

السؤال الأعمق هو:

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.

ينص الفصل 161 من الدستور المغربي على أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في قضايا الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها وضمان ممارستها الكاملة والنهوض بها.

كما أن القانون المنظم للمجلس منحه اختصاصات واسعة في مجال الرصد والتحقيق وإصدار الآراء والتوصيات والتقارير.

وهنا تظهر قاعدة منهجية أساسية:

وبالتالي، ليس مطلوباً من المجلس أن يكون صامتاً، بل العكس تماماً.

غير أن حساسية موقعه الدستوري ترفع، في المقابل، مسؤولية اللغة والتوقيت والتوازن والتوثيق.

ومن هذه الزاوية، فإن استعمال عبارات من قبيل تصوير الانتخابات كصراع بين «الكفار والمسلمين» أو بين «من مع الدين ومن ضده» يستوجب توثيقاً دقيقاً يبين طبيعة المحتوى ومصدره، وعلاقته بالحملة الانتخابية، وهوية الجهة التي أنتجته عندما تكون تلك الهوية ثابتة، ومدى انتشاره، وما إذا كان يمثل ممارسة فردية أم توجهاً منظماً.

وكلما كانت المعطيات دقيقة وقابلة للتحقق، أمكن تحويل النقاش من التأويل السياسي إلى النقاش العلمي والمؤسساتي.

ينبغي التمييز بين مستويين.

الأول هو توظيف الدين في الانتخابات.

فإذا استُعمل الدين لاستمالة الناخبين، أو جرى تقديم التصويت باعتباره معياراً للإيمان والكفر، أو استُعملت أماكن العبادة والرموز الدينية في الدعاية الانتخابية، فإن ذلك يدخل بصورة طبيعية في دائرة الرصد الحقوقي والقانوني.

وقد تحدث التقرير الأولي للمجلس، إلى جانب ذلك، عن حالات أخرى مرتبطة بالمال والرشوة واستغلال النفوذ والعنف واستعمال الوسائل العمومية وغيرها من الممارسات التي تدخل في نطاق ملاحظة العملية الانتخابية.

أما المستوى الثاني فهو الأثر السياسي للخطاب المؤسساتي.

فعندما تتحدث مؤسسة دستورية، في لحظة انتخابية شديدة الحساسية، عن «الكفار» و«المسلمين» و«من مع الدين ومن ضده»، من دون تسمية الجهة المسؤولة في الخطاب العمومي، فقد يربط بعض المتلقين هذه المعطيات تلقائياً بحزب أو تيار بعينه.

وهذا، في حد ذاته، لا يثبت أن المؤسسة استهدفت ذلك الحزب، ولا يسمح علمياً بالقفز من الأثر المحتمل إلى افتراض النية السياسية.

لكن الأثر نفسه يستحق النقاش، لأن المؤسسات الدستورية لا تُقاس فقط بنوايا أصحابها، وإنما أيضاً بكيفية استقبال خطابها في المجال العام.

ومن هنا يمكن صياغة قاعدة أكثر دقة:

المجلس الوطني لحقوق الإنسان لا يفتقر إلى ملفات حقوقية عميقة وحساسة.

فقد اشتغل على قضايا متعددة، من العدالة الجنائية والحريات الفردية ومدونة الأسرة والهجرة والاحتجاجات إلى الحق في الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.

وقد سبق للمجلس أن عبر عن مواقف واضحة في عدد من القضايا الخلافية، كما ساهم في النقاش المتعلق بمراجعة مدونة الأسرة، وتناول ضمانات الحرية والبراءة الأصلية والمحاكمة العادلة في مجال العدالة الجنائية.

إذن، القضية ليست أن المجلس «لا يتحدث» عن الملفات الكبرى.

القضية الأعمق هي:

وهذا سؤال مشروع وضروري بالنسبة إلى مؤسسة دستورية يفترض أن تكون حقوق الإنسان معيارها الجامع، لا انتقائياً ولا موسمياً.

من غير الدقيق القول إن المجلس لم يتخذ أي موقف بشأن فلسطين.

فقد عبرت رئيسته في مناسبات مختلفة عن مواقف مرتبطة بالمأساة الفلسطينية، ودعت المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، كما شارك المجلس في مبادرات مرتبطة بالوضع الحقوقي والإنساني في فلسطين.

لكن ذلك لا يمنع طرح سؤال مختلف:

هذا سؤال مشروع، لكنه يحتاج إلى مقارنة موثقة بين البيانات والتقارير والمذكرات التي أصدرها المجلس عبر الزمن، لا إلى الاستنتاج من غياب بيان بعينه.

والمنهج العلمي يقتضي التمييز بين الموقف من النكبة الفلسطينية، والموقف من الانتهاكات الجارية، والتوصيف القانوني للأفعال، ومسؤوليات المؤسسات الوطنية في ضوء القانون الدولي.

تكتسب هذه الملفات أهمية خاصة لأنها تقع في منطقة تماس بين المرجعيات الدستورية الوطنية، والمرجعيات الدينية، والاتفاقيات الدولية، والتحولات الاجتماعية.

ولا تكمن المشكلة في أن يتخذ المجلس موقفاً حقوقياً؛ فهذا يدخل في صميم اختصاصه.

المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من سؤال:

إلى افتراض أن:

فالمجتمع الديمقراطي يسمح بتعدد المرجعيات والاجتهادات ما دامت تمارس في إطار القانون.

ولهذا فإن النقاش حول الأسرة والإرث والطلاق والعلاقات الرضائية ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام المرجعية الدستورية، والاجتهاد الفقهي، والقانون الوضعي، والمعايير الدولية، والخبرة الاجتماعية، والاختيار الديمقراطي للمجتمع.

ودور المؤسسة الحقوقية هنا هو أن تقدم رؤيتها الحقوقية المعللة، لا أن تحل محل البرلمان أو المجتمع أو الهيئات العلمية المختصة.

من الملفات التي تستحق حضوراً مستمراً في الخطاب الحقوقي ضمانات الاعتقال، وقرينة البراءة، والحق في الدفاع، واستقلال المحاماة، وشروط المحاكمة العادلة، والمسطرة الجنائية، وأوضاع السجون، وحماية الصحافة والتعبير، وحقوق المحتجين، ومنع التعسف في استعمال السلطة.

وللمجلس تراكم مهم في هذه الملفات، سواء من خلال مذكراته أو ملاحظاته أو متابعته لبعض القضايا والمحاكمات.

لكن الرهان الحقيقي يتجاوز التدخل في الملفات إلى بناء نسق حقوقي مؤسساتي واضح يجعل المواطن يعرف مسبقاً:

ما هي معايير المجلس؟

متى يتدخل؟

كيف يحقق؟

كيف ينشر النتائج؟

وكيف يتابع تنفيذ توصياته؟

حقوق الإنسان لا تنحصر في الحريات المدنية والسياسية.

هناك أيضاً الحكامة الجيدة، والمساواة أمام القانون، والشفافية، والمساءلة، وعدم الإفلات من المسؤولية.

ولهذا فإن الملفات المرتبطة بالمال العام، وتضارب المصالح، والإثراء غير المشروع، واستغلال النفوذ، واستعمال الموارد العمومية في المنافسة السياسية، ليست بعيدة عن المنظور الحقوقي، بل تتصل مباشرة ببناء دولة القانون.

لكن أي ادعاء سياسي بوجود هدر للمال العام أو اختلالات مالية لا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة بمجرد تداوله في الخطاب السياسي.

وفي المقابل، كلما ظهرت معطيات جدية وموثقة، فإن السؤال الحقوقي الطبيعي يصبح:

وهنا تتقاطع حقوق الإنسان مع دولة القانون.

من النقاط المهمة في الخلاصات الانتخابية للمجلس ما تعلق بواقعتين في طنجة داخل مكتبي اقتراع، حيث أعلن المجلس أنه سيتعامل معهما وفق المساطر المعمول بها، مع أهمية إطلاع الرأي العام على مآلات الأبحاث والإجراءات المتخذة في الحدود التي يسمح بها القانون.

وهذا يطرح معياراً مؤسساتياً مهماً:

إذا كان المجلس يطالب بالشفافية في مآل واقعة انتخابية، فإن المنطق الحقوقي نفسه يقود إلى أهمية نشر نتائج التحقيقات في كل واقعة حقوقية ذات صلة بالمصلحة العامة، متى سمح القانون بذلك.

فالشفافية لا ينبغي أن تكون موسمية، والحياد لا ينبغي أن يكون انتقائياً.

هناك فرق جوهري بين مؤسسة سياسية تتبنى موقفاً حزبياً، ومؤسسة مستقلة تتناول موضوعاً سياسياً من زاوية حقوقية.

ولا ينبغي الخلط بين الأمرين.

لكن توجد منطقة وسطى دقيقة يمكن تسميتها التسييس غير المقصود للمؤسسة.

وقد يحدث ذلك عندما تتدخل مؤسسة مستقلة في لحظة انتخابية، في موضوع شديد الصلة بالسجال الحزبي، فتتحول نتائج رصدها، بصرف النظر عن نواياها، إلى مادة في الصراع السياسي.

ولهذا فإن أفضل حماية للمجلس ليست الصمت، وإنما المزيد من الأرقام، والمزيد من التوثيق، والمزيد من نشر المنهجية، والمزيد من المساواة في الرصد.

فكلما قلت الأحكام السياسية وزادت الوقائع القابلة للتحقق، ازدادت مناعة المؤسسة.

هذه ربما هي الخلاصة المركزية للمسألة.

فالمواطن لا يستطيع الاطلاع على النوايا الداخلية للمؤسسة، لكنه يستطيع أن يقرأ:

ماذا رصدت؟

ماذا لم ترصد؟

متى تدخلت؟

متى صمتت؟

من شملتهم ملاحظاتها؟

ما المعايير التي اعتمدتها؟

هل طبقت المعيار نفسه على الجميع؟

هل نشرت الأدلة والمنهجية؟

وهل تابعت تنفيذ توصياتها؟

وبالتالي، فإن الحياد المؤسساتي ينبغي أن يتحول إلى ممارسة قابلة للقياس والتدقيق.

وهذا لا ينتقص من المجلس، بل يقويه.

إن كلمة رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول توظيف الدين في الانتخابات تستحق النقاش، ليس لأن المجلس ممنوع من تناول الموضوع، وإنما لأن المؤسسة التي تراقب العملية الديمقراطية تصبح هي نفسها جزءاً من البيئة المؤسسية التي تقاس بها جودة الديمقراطية.

ومن هذه الزاوية، لا يصح علمياً القول إن الكلمة كانت بالضرورة استهدافاً لحزب العدالة والتنمية ما لم توجد معطيات مباشرة تثبت ذلك.

لكن يصح طرح سؤال أكثر عمقاً:

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش.

فالانتخابات انتهت، لكن مسؤولية المجلس لم تنته؛ بل تبدأ الآن مرحلة أكثر أهمية: مرحلة بناء الثقة.

والثقة لا تُبنى باستهداف الدين، ولا باستهداف الأحزاب، ولا باستهداف المؤسسات، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن أن هناك مؤسسة تستطيع أن تقول للحزب ما لا يريد سماعه، وللحكومة ما لا تريد سماعه، وللمعارضة ما لا تريد سماعه، وللسلطة ما لا تريد سماعه، وللمجتمع نفسه ما لا يريد سماعه؛ بالمعيار الحقوقي نفسه.

توصيات

أولاً: نشر المنهجية التفصيلية المعتمدة في رصد توظيف الدين في الانتخابات، مع نماذج من الحالات الموثقة دون انتهاك المعطيات الشخصية.

ثانياً: التمييز الصريح بين الملاحظة الحقوقية والتقييم السياسي في تقارير المجلس وخطابه العمومي.

رابعاً: اعتماد معيار موحد في رصد جميع الأحزاب والتيارات، بحيث لا يرتبط التدخل بهوية الفاعل وإنما بطبيعة الفعل.

خامساً: نشر تقارير متابعة دورية بشأن القضايا الانتخابية التي أحيلت على النيابة العامة أو الجهات المختصة، وفي مقدمتها الوقائع التي أشار إليها المجلس، في الحدود التي يسمح بها القانون.

سادساً: توسيع النقاش المجتمعي حول الملفات الخلافية، خصوصاً الأسرة والحريات الفردية والقانون الجنائي، مع عرض مختلف المرجعيات والاجتهادات وعدم اختزال المجتمع في رؤية واحدة.

سابعاً: تعزيز الحضور الحقوقي في قضايا الحكامة والمال العام وتضارب المصالح، باعتبارها جزءاً من بناء دولة القانون.

ثامناً: إعادة تعريف الحياد باعتباره منهجية قابلة للقياس، وليس مجرد إعلان مؤسساتي.

يدخل المغرب بعد الانتخابات التشريعية مرحلة لا ينبغي اختزالها في تشكيل المؤسسات المنتخبة، بل هي أيضاً مرحلة لإعادة بناء الثقة.

والثقة في المؤسسات الحقوقية ستظل مرتبطة بقدرتها على أن تكون فوق التجاذبات الحزبية، دون أن تكون فوق النقد.

لذلك فإن المستقبل لا يحتاج إلى مجلس حقوق إنسان أقل حضوراً، وإنما إلى مجلس أكثر توثيقاً، وأكثر شفافية، وأكثر اتساقاً، وأكثر قدرة على شرح معاييره للرأي العام.

فالمؤسسة الحقوقية القوية ليست التي لا ينتقدها أحد، وإنما التي تستطيع أن تجعل معاييرها ثابتة حتى عندما تتغير الأسماء والأحزاب والظروف السياسية.

وهنا تحديداً تكمن قيمة الاستقلالية.

فإذا كان المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة دستورية تعددية ومستقلة، فإن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو أن تتحول هذه الاستقلالية من صفة قانونية إلى ثقافة مؤسساتية مرئية، قابلة للقياس، ومقنعة للرأي العام.

إن معركة المجلس القادمة ليست مع حزب، ولا مع خطاب، ولا مع مرجعية؛ بل مع كل ما يمكن أن يضعف ثقة المواطن في أن الحقوق تقاس بمعيار واحد، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن المؤسسة الحقوقية لا ترى الأشخاص، وإنما ترى الأفعال والحقوق والوقائع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *