من الكتلة الديمقراطية إلى حكومة البام في المغرب.. إعادة تموضع سياسي أم محاولة لإنقاذ الأحزاب من أزماتها الانتخابية؟

الوطن24/ إعداد : ذ. السعيد شخمان*
مدخل: المغرب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات السياسية
في السياسة، ليست كل التحالفات مجرد جمعٍ حسابي للمقاعد، ولا كل مشاركة في الحكومة تعبيراً آلياً عن قوة سياسية متصاعدة. أحياناً تكون التحالفات انعكاساً لنتائج الانتخابات، وأحياناً تكون محاولة لإعادة تركيب موازين القوة بعد انتخابات كشفت تراجع حزب، أو صعود آخر، أو تغيراً عميقاً في اتجاهات الناخبين.
ومن هنا يكتسب المشهد المغربي الراهن دلالته الخاصة.
فبعد الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج مجلس النواب بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54، بينما حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعداً.
وفي 30 شتنبر، دخل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية فعلاً في مشاورات مع القيادة المكلفة بتشكيل الحكومة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري؛ غير أن المشاورات، إلى حدود هذه المرحلة، لا تعني بالضرورة أن اتفاقاً نهائياً على المشاركة الحكومية قد تم الحسم فيه.
وهنا تبدأ الأسئلة السياسية الحقيقية.
هل نحن أمام تحالف حكومي طبيعي تفرضه نتائج الاقتراع وتوازنات البرلمان؟ أم أمام إعادة تموضع لأحزاب تاريخية تراجعت انتخابياً، تبحث عن موقع داخل السلطة التنفيذية؟
وهل يمكن أن تتحول المشاركة الحكومية إلى وسيلة لإعادة بناء الأحزاب، أم قد تتحول، في المقابل، إلى مجرد تعويض سياسي عن ضعف الحضور الانتخابي؟
المقدمة: حين يصبح التحالف سؤالاً عن هوية الحزب
كان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، إلى جانب الاستقلال وقوى وطنية وديمقراطية أخرى، جزءاً من تجربة الكتلة الديمقراطية التي تأسست سنة 1992 على أرضية سياسية واضحة، قوامها الإصلاح الدستوري والديمقراطية وتوازن السلط وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية.
لم تكن الكتلة في لحظة تأسيسها مجرد ترتيب انتخابي أو تقنية لتجميع المقاعد؛ فقد قدم ميثاقها نفسه باعتباره إطاراً لتنسيق المواقف وتوحيد الجهود في سبيل أهداف سياسية مشتركة.
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، يجد بعض أبرز مكونات تلك التجربة نفسها أمام احتمال المشاركة في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالسؤال: من سيدخل الحكومة؟
بل بالسؤال الأعمق:
ماذا بقي من الذاكرة السياسية التي صنعت أحزاب الكتلة؟
وإذا كانت المشاركة الحكومية حقاً مشروعاً لكل حزب حصل على تمثيل برلماني، فإن الحق القانوني شيء، والمعنى السياسي شيء آخر.
فالحزب لا يدخل الحكومة بمقاعده فقط، وإنما يدخلها أيضاً بتاريخه، ومرجعيته، وبرنامجه، ومواقفه السابقة، وذاكرته الجماعية، وبالثقة التي منحه إياها ناخبوه.
الإشكالية: تحالفات جديدة أم أزمة في وظيفة الحزب السياسي؟
يمكن صياغة الإشكالية المركزية للمشهد في السؤال التالي:
هل تعكس هرولة بعض أحزاب الكتلة الديمقراطية سابقاً نحو المشاورات مع البام تحولاً طبيعياً في خريطة التحالفات بعد انتخابات 2026، أم أنها تعكس أزمة أعمق في وظيفة الأحزاب، حيث أصبحت المشاركة الحكومية غاية في ذاتها بعد تراجع القدرة على إنتاج القوة الانتخابية والتنظيمية؟
ويتفرع عن ذلك عدد من الأسئلة:
– أين أصبحت القواعد الحزبية؟
– أين المناضلات والمناضلون؟
– هل تمتلك القواعد حق مساءلة القيادة عن خياراتها التحالفية؟
– ما دور المؤتمرات والمجالس الوطنية والمكاتب السياسية؟
– هل المشاركة الحكومية قرار قيادي أم تعاقد حزبي؟
– هل تدخل الأحزاب الحكومة لتطبيق برامجها أم للحصول على مواقع؟
– ماذا يعني أن ينتقل حزب تاريخي من المعارضة إلى الحكومة دون نقاش مجتمعي وتنظيمي عميق؟
– وهل يمكن لحزب أن يعوض خسارته الانتخابية بالمشاركة الحكومية؟
– وهل يستطيع التحالف مع حزب مختلف في النشأة والتاريخ والمرجعيات أن ينتج انسجاماً سياسياً حقيقياً؟
هذه الأسئلة لا تستهدف حزباً بعينه، وإنما تضع أمام الأحزاب المغربية كلها مرآة وظيفة الحزب في النظام الديمقراطي.
—
المحور الأول: من الكتلة الديمقراطية إلى خريطة تحالفات جديدة
إن استحضار الكتلة الديمقراطية ليس ترفاً تاريخياً.
فميثاق 17 ماي 1992 قدم الكتلة باعتبارها إطاراً لتنسيق مواقف الأحزاب الوطنية الديمقراطية وتوحيد جهودها، وربط ذلك بالديمقراطية وتوازن السلط وسيادة الحق والقانون.
كما أن تجربة الاتحاد الاشتراكي نفسها تربط تاريخ الحزب بالخيار الديمقراطي وبالاشتراكية الديمقراطية وبقيم العدالة الاجتماعية والحداثة السياسية.
ومن ثم فإن السؤال المشروع اليوم ليس: هل يحق للاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية التحالف مع البام؟
بالطبع، من حيث المبدأ، التحالف السياسي حق مشروع.
لكن السؤال هو:
ما الأساس السياسي لهذا التحالف؟
هل هو برنامج حكومي؟
أم تقاطع في الأولويات؟
أم ضرورة لتكوين أغلبية برلمانية؟
أم بحث عن مواقع داخل السلطة التنفيذية؟
إن الفرق بين هذه الاحتمالات كبير جداً.
فالتحالف الديمقراطي الحقيقي يقوم على تعاقد سياسي معلن، أما التحالف الذي يقوم فقط على توزيع المواقع فإنه يفقد تدريجياً معناه السياسي ويتحول إلى هندسة للسلطة.
—
المحور الثاني: البام بين القوة الانتخابية والجدل السياسي
أفرزت انتخابات 2026 تقدماً انتخابياً واضحاً لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر النتائج بـ97 مقعداً، بزيادة عن حصيلته في انتخابات 2021 وفق البيانات المنشورة.
وهذه حقيقة انتخابية ينبغي التعامل معها كما هي.
لكن القوة البرلمانية لا تنهي النقاش حول القبول السياسي والاجتماعي للحزب.
فالبام ظل، منذ نشأته، موضوعاً لنقاش سياسي واسع حول ظروف التأسيس والهوية والعلاقة بمراكز النفوذ وطبيعة مشروعه السياسي. وهذه قضايا لا يمكن اختزالها في حكم واحد أو وصف واحد؛ لأنها جزء من تاريخ سياسي متنازع في تفسيره.
والأهم أن الحزب يقدم نفسه باعتباره قوة حداثية، بينما يظل السؤال مطروحاً حول قدرته على تحويل هذه الحداثة المعلنة إلى تنظيم حزبي حديث، قائم على المؤسسات، والتأطير، والبرامج، والاستقلالية، والمساءلة الداخلية.
فالحداثة السياسية لا تقاس بعدد المقاعد فقط.
كما لا تقاس بحضور الحزب في المدن أو البوادي فقط.
إنما تقاس بمدى قدرة الحزب على بناء علاقة مؤسساتية مع المجتمع، لا علاقة انتخابية ظرفية معه.
—
المحور الثالث: البادية والمدينة… أين توجد القوة الحزبية الحقيقية؟
تكشف نتائج الانتخابات عن تفاوت مهم في الخريطة السياسية بين المجالات الترابية.
وتبرز هنا قضية لطالما طبعت السياسة الانتخابية المغربية: العلاقة بين الأحزاب وبين الأعيان والشبكات المحلية والموارد الانتخابية.
غير أن هذه المسألة يجب ألا تتحول إلى اتهام جماعي أو تفسير أحادي.
السؤال العلمي هو:
ما الذي يجعل حزباً ما قوياً في مجال ترابي وضعيفاً في مجال آخر؟
هل السبب هو التنظيم؟
أم التاريخ المحلي؟
أم حضور الأعيان؟
أم قوة المرشحين؟
أم الموارد؟
أم البرامج؟
أم طبيعة التصويت؟
أم علاقة الناخب بالحزب وبالشخص؟
وهنا يظهر الفرق بين حزب يمتلك قاعدة اجتماعية حقيقية وحزب يمتلك شبكة انتخابية فعالة.
الأول يستطيع البقاء حتى خارج الحكومة.
أما الثاني فقد يكون أكثر تعرضاً للاهتزاز بمجرد تغير موازين القوة.
—
المحور الرابع: السؤال الأكثر إحراجاً… أين قواعد الأحزاب؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأخطر في المشهد كله:
أين قواعد الأحزاب؟
إذا كانت القيادة تتفاوض حول المشاركة في الحكومة، فهل تجري هذه المشاورات داخل المؤسسات الحزبية بالتوازي؟
هل تناقش المكاتب السياسية؟
هل يناقش المجلس الوطني؟
هل تقدم أرضية سياسية للمناضلات والمناضلين؟
هل توجد وثيقة تعاقدية تحدد شروط المشاركة؟
هل توجد خطوط حمراء؟
هل هناك تقييم لتجربة الحكومة السابقة؟
وهل يملك أعضاء الحزب حق الاعتراض أو النقد أو مساءلة القيادة؟
القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، كما تم تعديله بالقانون التنظيمي رقم 54.25، يضع للأحزاب إطاراً قانونياً ومؤسساتياً، كما ينص على أن القرارات المتعلقة بالاتحادات الحزبية يجب أن تعتمد من الجهاز المؤهل وفق الأنظمة الأساسية للأحزاب المعنية.
ومن هنا، فإن الديمقراطية الداخلية ليست شأناً أخلاقياً فقط، وإنما لها أيضاً أساس مؤسساتي وتنظيمي.
فالحزب الذي يطالب المجتمع بالديمقراطية يجب أن يمارسها داخله.
والحزب الذي يطالب الدولة بالمحاسبة يجب أن يقبل بالمحاسبة داخل مؤسساته.
—
المحور الخامس: هل المشاركة الحكومية تعوض الفشل الانتخابي؟
هنا ينبغي الحذر من التبسيط.
فالحصول على عدد أقل من المقاعد لا يعني بالضرورة فشل الحزب، كما أن الحصول على عدد أكبر لا يعني بالضرورة نجاح المشروع السياسي.
لكن المقارنة بين حصيلة 2026 و2021 تفرض على بعض الأحزاب أسئلة تنظيمية وسياسية حقيقية.
فالاتحاد الاشتراكي حصل في انتخابات 2026 على 26 مقعداً، مقابل 34 في 2021، بينما حصل التقدم والاشتراكية على 19 مقعداً مقابل 22 في 2021.
وهذا لا يسمح وحده بالقول إن المشاركة في الحكومة هي محاولة لتعويض الفشل.
لكن يمكن طرح السؤال:
هل أصبحت المشاركة الحكومية بالنسبة لبعض الأحزاب وسيلة لتعويض تراجع القوة الانتخابية؟
والفارق جوهري بين:
«المشاركة في الحكومة لأن الحزب يملك مشروعاً يريد تنفيذه،»
وبين:
«المشاركة في الحكومة لأن الحزب لم يعد قادراً على الاستمرار خارجها.»
الأولى سياسة.
والثانية قد تتحول إلى أزمة هوية.
—
المحور السادس: من يحاسب القيادة عندما تخسر الانتخابات؟
هذه إحدى أعمق أزمات الحياة الحزبية.
في الديمقراطيات الحزبية، الانتخابات ليست مناسبة لاحتفال القيادات بالنتائج فقط، وإنما مناسبة أيضاً لتقييم المسؤوليات.
إذا تراجع الحزب، فالسؤال الطبيعي هو:
لماذا؟
هل فشل الخطاب؟
هل تراجعت العضوية؟
هل ضعفت الفروع؟
هل انفصل الحزب عن المجتمع؟
هل فشلت القيادة في تجديد النخب؟
هل أصبحت القيادة أكثر حضوراً في الإعلام من حضورها في المجتمع؟
هل تحولت الفروع المحلية إلى هياكل انتخابية موسمية؟
ثم يأتي السؤال الأهم:
هل تتحمل القيادة السياسية مسؤوليتها؟
إن تحميل الناخب مسؤولية تراجع الحزب أسهل من مواجهة الحقيقة التنظيمية.
والأسهل أيضاً تحويل المشاركة الحكومية إلى وسيلة لتجاوز النقاش الداخلي.
لكن ذلك قد يؤجل الأزمة ولا يحلها.
—
المحور السابع: هل البام يحتاج إلى حلفائه أم أن الحلفاء يحتاجون إلى البام؟
هذا السؤال يمكن أن يكون مفتاحاً لفهم المرحلة.
البام، بحكم تصدره للانتخابات، يمتلك موقعاً تفاوضياً قوياً.
أما الأحزاب التي تراجعت حصيلتها، فتدخل المشاورات من موقع مختلف.
وهنا تظهر قاعدة سياسية بسيطة:
كلما تفاوتت القوة الانتخابية، تفاوتت القدرة على التفاوض.
لكن الأغلبية لا تصنعها الأرقام وحدها.
الحكومة تحتاج إلى الانسجام.
والانسجام يحتاج إلى برنامج.
والبرنامج يحتاج إلى مسؤولية سياسية مشتركة.
والمسؤولية المشتركة تحتاج إلى ثقة متبادلة بين مكونات الأغلبية.
فإذا كان كل حزب يدخل الحكومة بعقلية حماية حصته فقط، فقد تولد أغلبية عددية دون أن تولد أغلبية سياسية.
—
المحور الثامن: المعارضة القادمة ليست إيديولوجية فقط
إذا تشكلت الحكومة بقيادة البام، فإن المعارضة المنتظرة لن تكون بالضرورة مجرد مواجهة إيديولوجية تقليدية.
فوجود العدالة والتنمية، الذي حصل على 54 مقعداً بعد صعود ملحوظ مقارنة بحصيلة 2021، يضيف إلى البرلمان معارضة ذات قاعدة انتخابية معتبرة.
وقد تتحول المعارضة إلى مساءلة حول:
– الأداء الحكومي؛
– الأسعار والقدرة الشرائية؛
– التعليم والصحة؛
– التشغيل؛
– العدالة الاجتماعية؛
– تدبير المال العام؛
– تضارب المصالح؛
– الحكامة؛
– علاقة الدولة بالمجتمع؛
– ووعود البرامج الانتخابية.
وهنا لا تصبح المعارضة مجرد اختلاف في المرجعية الفكرية.
بل قد تتحول إلى معارضة حول معنى السياسة نفسها:
من يحكم؟
كيف يحكم؟
لمن يحكم؟
وبأي معايير تتم المحاسبة؟
وما حدود العلاقة بين الحزب والدولة والمجتمع؟
—
المحور التاسع: الكتلة القديمة… ماذا بقي من روحها؟
إن المفارقة التاريخية تكمن في أن أحزاباً ساهمت في بناء خطاب المعارضة والإصلاح والديمقراطية تجد نفسها اليوم أمام خيار التحالف مع حزب ظل، منذ تأسيسه، محاطاً بجدل سياسي مختلف حول النشأة والهوية والعلاقة بموازين القوة.
لكن التاريخ لا يحكم على الحاضر وحده.
فالأحزاب تتغير.
والتحالفات تتغير.
والسياقات تتغير.
وقد يكون من المشروع أن تعيد أحزاب الكتلة السابقة تعريف تحالفاتها.
لكن إعادة التعريف تحتاج إلى تبرير سياسي واضح.
فإذا كانت الكتلة الديمقراطية تأسست على أساس مواجهة اختلالات سياسية وبناء الديمقراطية وتوازن السلط، فإن أي انتقال جديد يجب أن يجيب عن سؤال بسيط:
ما الذي تغير؟
وما الذي يجعل التحالف الجديد أكثر قدرة على تحقيق تلك الأهداف؟
—
المحور العاشر: الربح والخسارة… لمن؟
يمكن النظر إلى التحالف المحتمل من أربع زوايا:
أولاً: ربح البام
سيحصل على توسيع قاعدته الحكومية والسياسية، وعلى شركاء ذوي تاريخ وتجربة سياسية وتنظيمية.
ثانياً: ربح الأحزاب المشاركة
قد تحصل على فرصة لتنفيذ برامجها واستعادة حضورها المؤسساتي.
ثالثاً: ربح الدولة والمؤسسات
إذا أنتج التحالف حكومة مستقرة وقادرة على الإنجاز، فقد تكون النتيجة مؤسساتية إيجابية.
رابعاً: ربح المجتمع
وهذا هو المعيار الحاسم.
فالمجتمع لا يعنيه كثيراً عدد الوزراء المنتمين إلى هذا الحزب أو ذاك بقدر ما يعنيه:
ماذا ستفعل الحكومة؟
هل ستخفض كلفة المعيشة؟
هل ستصلح التعليم؟
هل ستطور الصحة؟
هل توفر فرص الشغل؟
هل تعزز العدالة الاجتماعية؟
هل تحارب الفساد وتضارب المصالح؟
هل تحسن الخدمات العمومية؟
هل تعزز الثقة في المؤسسات؟
هنا فقط تتحول المشاركة الحكومية من غنيمة سياسية إلى مسؤولية وطنية.
—
خلاصة جامعة
المشهد المغربي بعد انتخابات 2026 لا يقدم لنا مجرد خريطة برلمانية جديدة.
إنه يقدم سؤالاً أكبر حول مستقبل الحزب السياسي نفسه.
البام تصدر الانتخابات بـ97 مقعداً، والعدالة والتنمية عاد بقوة إلى البرلمان، بينما سجل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية حصيلتين أقل من 2021.
وفي الوقت نفسه، بدأت مشاورات تشكيل الحكومة مع أحزاب متعددة، من بينها الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
لكن السؤال الحقيقي ليس من سيدخل الحكومة.
السؤال:
بأي مشروع؟
ولا يكفي أن تقول الأحزاب إن التحالف يخدم المصلحة الوطنية.
بل عليها أن تشرح:
ما البرنامج؟
ما الأولويات؟
ما الضمانات؟
ما حدود التنازل؟
ما آليات المحاسبة؟
ما موقع القواعد؟
وما الذي سيحصل عليه المواطن؟
—
خاتمة: الحزب ليس مقعداً وزارياً
الحزب السياسي ليس آلة للوصول إلى الحكومة.
إنه مؤسسة لتأطير المجتمع، وتكوين المواطنين سياسياً، والتعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة داخل المؤسسات الدستورية؛ وهذا ما يؤكده الفصل السابع من الدستور المغربي.
والدستور نفسه يربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها.
ومن ثم، فإن شرعية الحكومة لا تنتهي عند لحظة تشكيلها.
بل تبدأ منها.
والتحالفات لا تُقاس فقط بقدرتها على إنتاج أغلبية عددية.
بل بقدرتها على إنتاج ثقة سياسية.
أما الأحزاب التي تراجعت انتخابياً، فإن إنقاذها الحقيقي لا يكون بالضرورة بمنصب وزاري.
إنقاذ الحزب يبدأ من داخله:
من قواعده.
من شبابه.
من نسائه ورجاله.
من فروعه المحلية.
من مؤسساته.
من مؤتمراته.
ومن شجاعته في الاعتراف بالأخطاء.
لأن الحزب الذي يعوض خسارته الانتخابية بمقعد حكومي قد ينجو من الأزمة مؤقتاً، لكنه لا يكون قد عالج أسبابها.
—
استشراف: ماذا بعد حكومة البام؟
المرحلة المقبلة تضع الأحزاب أمام ثلاثة اختبارات كبرى:
الاختبار الأول: اختبار البرنامج.
هل تستطيع مكونات الأغلبية صياغة عقد حكومي واضح، لا مجرد اتفاق لتوزيع الحقائب؟
الاختبار الثاني: اختبار القواعد.
هل ستصبح المؤسسات الحزبية فضاء حقيقياً للنقاش والمساءلة، أم ستظل القرارات الكبرى محصورة في القيادة؟
الاختبار الثالث: اختبار المجتمع.
هل تستطيع الحكومة تحويل الأغلبية البرلمانية إلى إنجازات ملموسة؟
ومن هنا فإن مستقبل التحالف لن تحدده فقط المفاوضات الجارية في الرباط.
بل ستحدده أيضاً الشارع، والبرلمان، والقواعد الحزبية، والانتخابات المقبلة، وقدرة الحكومة على الإنجاز.
—
توصيات
1. إعلان الأسس السياسية للتحالف الحكومي للرأي العام، وعدم الاكتفاء بالإعلان عن توزيع الحقائب.
2. إخضاع المشاركة الحكومية للمؤسسات الحزبية المختصة وفق الأنظمة الأساسية لكل حزب.
3. تفعيل المجالس الوطنية والمؤتمرات الحزبية باعتبارها فضاءات للمساءلة والتقييم.
4. إعداد تعاقد حكومي معلن يتضمن أهدافاً قابلة للقياس وآجالاً واضحة.
5. الفصل بين الحزب والدولة وترسيخ استقلالية القرار الحزبي والمؤسساتي.
6. إعادة بناء التنظيمات المحلية وعدم اختزال الحزب في النخب البرلمانية والوزارية.
7. إجراء تقييم داخلي شفاف للنتائج الانتخابية في الأحزاب التي سجلت تراجعاً.
8. عدم تحويل المشاركة الحكومية إلى آلية لإغلاق النقاش حول المسؤولية السياسية.
9. تقوية المعارضة البرلمانية باعتبارها جزءاً من النظام الديمقراطي وليس عائقاً أمام الحكومة.
10. جعل المواطن معيار نجاح التحالفات: فالتحالف الذي لا يحسن حياة الناس يبقى مجرد ترتيب سياسي، مهما كان عدد مقاعده.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام الأحزاب المغربية جميعاً هو:
هل نعيش انتقالاً في التحالفات، أم انتقالاً في معنى الحزب نفسه؟
فإذا كان التحالف الجديد قادراً على إنتاج حكومة قوية، متماسكة، مسؤولة وقابلة للمحاسبة، فقد يكون بداية مرحلة سياسية جديدة.
أما إذا أصبح مجرد وسيلة لإنقاذ قيادات من أسئلة القواعد، أو تعويض أحزاب عن تراجعها الانتخابي، فإن الأزمة ستعود من الباب نفسه، ولو تغيرت أسماء الوزراء والحقائب.
والتاريخ السياسي للأحزاب لا يُكتب بعدد المناصب التي حصلت عليها، وإنما بقدرتها على تحويل السلطة إلى مسؤولية، والبرنامج إلى إنجاز، والانتخابات إلى تعاقد، والمساءلة إلى ثقافة سياسية دائمة.
*كاتب وباحث مهتم بقضايا الفكر والمجتمع والعمل المدني.
