المغرب.. تحالف اليسار: الواقع والآفاق ما بعد الانتخابات التشريعية

لم تنتهِ الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 بمجرد إعلان النتائج وتوزيع المقاعد، بل فتحت مرحلة سياسية جديدة تتجاوز الحساب الانتخابي المباشر إلى سؤال أعمق يتعلق بصورة الخريطة الحزبية بالمغرب، وبموقع المعارضة، وبمستقبل العائلات السياسية التي وجدت نفسها أمام واقع جديد تفرضه صناديق الاقتراع.

وفي قلب هذا التحول يبرز تحالف اليسار، الذي جمع الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي في إطار سياسي أعلن منذ تأسيسه في يونيو 2026 أنه يتجاوز مجرد التنسيق الانتخابي نحو بناء إطار سياسي ونضالي مستمر. وقد نص ميثاق التحالف على أفق هيكلة دائمة، وعلى تنسيق مشترك داخل البرلمان.

وقد أفرز اقتراع 23 شتنبر حصول التحالف على ثمانية مقاعد بمجلس النواب، مقابل مقعدين فقط لمكوناته في انتخابات 2021، وهو ارتفاع عددي واضح. لكن القراءة السياسية الرصينة لا يمكن أن تختزل في الأرقام وحدها؛ فالمقعد البرلماني ليس مجرد وحدة حسابية، وإنما يحمل دلالة مرتبطة بمكانة الحزب، وبطبيعة الدائرة، وبالشخصية المنتخبة، وبالأداء المتوقع داخل المؤسسة التشريعية.

ومن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: هل نحن أمام بداية إعادة بناء لليسار المغربي؟ أم أمام نجاح انتخابي يحتاج إلى ترجمة سياسية وتنظيمية حتى يتحول إلى ظاهرة مستدامة؟ وما الذي يجمع تحالف اليسار بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية؟ وما الذي يفرق بينهم؟ ولماذا اختار التحالف المعارضة ورفض تشكيل فريق برلماني مع التقدم والاشتراكية؟ وكيف يمكن قراءة موقفه من العدالة والتنمية؟ وهل يمكن أن تلتقي قوى متباعدة أيديولوجيا في بعض القضايا دون أن تتحول إلى تحالف سياسي؟

إن ارتفاع تمثيلية تحالف اليسار من مقعدين في انتخابات 2021 إلى ثمانية مقاعد في 2026 يمثل، من الناحية الكمية، تحولا مهما في حضوره البرلماني. وتؤكد المعطيات النهائية الرسمية أن التحالف حصل على ثمانية مقاعد، بينما حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعدا.

غير أن الزيادة العددية لا تعني بالضرورة تساوي القيمة السياسية لجميع المقاعد.

فالمقعد الذي ينتزع في دائرة محلية شديدة التنافس قد يحمل دلالة سياسية مختلفة عن مقعد يأتي عبر اللائحة الجهوية، كما أن وزن النائب لا يتحدد فقط بعدد الأصوات التي حصل عليها، وإنما أيضا بحضوره السياسي، وقدرته على التشريع والرقابة، وصلته بالمجتمع، واستقلاليته، ومستوى الثقة التي راكمها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة لتحالف اليسار، لأن رهانه الحقيقي لا يتمثل فقط في الانتقال من مقعدين إلى ثمانية، وإنما في تحويل هذه المقاعد إلى قوة اقتراحية ورقابية ذات أثر.

فالانتخابات تمنح الشرعية التمثيلية، لكنها لا تمنح تلقائيا التأثير السياسي.

وهنا يكمن الاختبار.

يمكن صياغة الإشكالية المركزية للمشهد السياسي المغربي الجديد على النحو الآتي:

هل يشكل الارتفاع الانتخابي لتحالف اليسار بداية لإعادة بناء قطب يساري ديمقراطي قادر على استعادة جزء من موقعه في المجتمع والمؤسسات، أم أن التعدد التنظيمي والخلافات المرجعية والسياسية داخل العائلة اليسارية ستظل عائقا أمام تحويل التمثيل البرلماني إلى مشروع سياسي مستدام؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة:

ما القيمة السياسية والنوعية للمقاعد الثمانية؟

ما الذي يجمع تحالف اليسار بالاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وما الذي يفرق بينها؟

لماذا رفض التحالف تشكيل فريق برلماني مع التقدم والاشتراكية رغم أن مجموع المقاعد يصل إلى 27؟

ماذا يعني اختيار المعارضة بالنسبة إلى تحالف اليسار؟

هل يمكن أن يحدث تقاطع موضوعي مع العدالة والتنمية رغم رفض التنسيق السياسي معه؟

وأي خطاب يحتاجه اليسار بين الواقعية السياسية والوفاء للمرجعية؟

أول خطأ منهجي يمكن الوقوع فيه هو التعامل مع اليسار المغربي باعتباره كتلة سياسية واحدة.

فالانتماء إلى العائلة اليسارية لا يلغي اختلاف التاريخ السياسي، ولا التجارب التنظيمية، ولا المرجعيات، ولا المواقف من الدولة والمجتمع والاقتصاد والدين والحريات، ولا طبيعة العلاقة مع المؤسسات.

تحالف اليسار نفسه يقدم نموذجا لهذا التعقيد؛ فهو يجمع الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، ويعلن صراحة أن هدفه هو تجاوز حالة التشتت وبناء بديل ديمقراطي واجتماعي.

أما حزب التقدم والاشتراكية فيحمل تاريخا تنظيميا مختلفا؛ فهو يعرّف نفسه امتدادا للحزب الشيوعي المغربي وحزب التحرر والاشتراكية، ويقدم نفسه باعتباره أحد مكونات اليسار الاشتراكي المغربي.

والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بدوره يمتلك تاريخا خاصا داخل الحركة الاتحادية المغربية، ويقدم في خطابه الراهن نفسه باعتباره حزبا ذا مرجعية ديمقراطية اجتماعية، ويركز في برنامجه الانتخابي لعام 2026 على التنمية العادلة والعدالة الاجتماعية.

إذن نحن أمام عائلة سياسية واحدة من حيث بعض الجذور والقيم الكبرى، لكن أمام مسارات تنظيمية وتجارب سياسية متعددة.

وهنا تصبح العبارة الأساسية:

اليسار عائلة، لكنه ليس حزبا واحدا؛ والتقارب في المرجعية لا يعني التطابق في المشروع.

حقق تحالف اليسار قفزة عددية واضحة مقارنة بالانتخابات السابقة.

فالمعطيات المنشورة بعد إعلان النتائج النهائية تشير إلى ثمانية مقاعد للتحالف، موزعة بين ثلاثة مقاعد محلية وخمسة مقاعد جهوية.

كما أن التمثيلية الجديدة للتحالف تضم ست نائبات ونائبين، وهي معطية لها دلالتها في النقاش المتعلق بالتمثيل السياسي للمرأة.

لكن القراءة العلمية تقتضي تجاوز الاحتفاء بالرقم إلى تحليل نوعية المقاعد.

فالتحالف لم يعد ممثلا في البرلمان بصوت رمزي محدود، بل أصبح يمتلك مجموعة برلمانية من ثمانية نواب يمكنها أن تبني حضورا منتظما في الرقابة والتشريع والمناقشة العمومية.

غير أن ثمانية مقاعد لا تصنع وحدها قوة سياسية.

القوة تتشكل عندما تتحول المقاعد إلى:

  • مبادرات تشريعية؛
  • أسئلة رقابية ذات أثر؛
  • بدائل سياسية قابلة للنقاش؛
  • حضور في اللجان البرلمانية؛
  • تواصل منتظم مع المجتمع؛
  • قدرة على تحويل قضايا المواطنين إلى ملفات مؤسساتية؛
  • وانضباط سياسي يحافظ على استقلالية المشروع دون عزلة.

وهنا يكون الفرق بين التمثيل البرلماني والتأثير البرلماني.

يجمع هذه المكونات، بدرجات متفاوتة، الاشتراك في عدد من القيم السياسية والاجتماعية الكبرى: الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، الحقوق والحريات، الدفاع عن الخدمات العمومية، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لكن القواسم المشتركة لا تلغي اختلاف التجارب.

فالاتحاد الاشتراكي يمثل مدرسة سياسية وتاريخية ذات حضور مؤسساتي كبير، وتراجع تمثيله في 2026 إلى 26 مقعدا مقابل 34 في 2021.

والتقدم والاشتراكية، الذي حصل على 19 مقعدا مقابل 22 في 2021، يملك بدوره تاريخا يساريا متميزا وتجربة حكومية ومؤسساتية واسعة.

أما تحالف اليسار فيدخل المرحلة الجديدة بتركيبة مختلفة: عدد أصغر من المقاعد، لكنه يحمل خطابا أكثر التصاقا بالمعارضة السياسية والاجتماعية، ويقدم نفسه كبديل يساري ديمقراطي مستقل.

لذلك لا ينبغي طرح السؤال فقط بصيغة: من هو اليسار الحقيقي؟

بل بصيغة أكثر إنتاجا:

كيف يمكن لكل مكونات اليسار أن توظف اختلافاتها في إثراء المجال الديمقراطي بدل تحويل الاختلاف إلى انقسام دائم؟

هنا تظهر مفارقة سياسية لافتة.

فبعد الانتخابات أصبح لدى تحالف اليسار ثمانية مقاعد، ولدى التقدم والاشتراكية 19 مقعدا، أي إن جمعهما كان سيؤدي إلى 27 نائبا. وقد أثارت هذه الأرقام نقاشا حول إمكانية تشكيل فريق برلماني مشترك.

لكن قيادة تحالف اليسار أوضحت لاحقا أن تشكيل فريق مشترك مع التقدم والاشتراكية غير مطروح، مستندة إلى اختلافات سياسية ووجهات نظر وطبيعة برلمانيي الطرفين، مع التأكيد على أن التحالف الموجود فعليا هو تحالف الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي.

وهنا ينبغي التفريق بين مفهومين:

التنسيق في ملف محدد، والاندماج في فريق سياسي واحد.

الأول يمكن أن يتم دون إسقاط الهوية التنظيمية؛ أما الثاني فيفترض درجة أعلى من التوافق السياسي والتنظيمي.

وقد يكون تحالف اليسار قد اختار في هذه المرحلة الحفاظ على استقلالية مشروعه، بدل توسيع التحالف بسرعة قبل استكمال بناء الثقة السياسية والتنظيمية.

وهذه المسألة ستبقى اختبارا حقيقيا للتحالف:

هل الاستقلالية ستتحول إلى قوة سياسية واضحة؟

أم إلى عزلة برلمانية تقلل من القدرة على التأثير؟

الجواب لن تحدده التصريحات، وإنما الأداء خلال السنوات المقبلة.

أعلن تحالف اليسار تموقعه في المعارضة، وقدم نفسه باعتباره معارضة ديمقراطية واجتماعية مستقلة. كما أكد أن تحالفه ليس مجرد تحالف انتخابي ظرفي، وإنما إطار سياسي مستمر.

وهذا الاختيار يضع التحالف أمام مسؤولية مزدوجة.

المعارضة ليست رفضا آليا لكل ما تقترحه الحكومة.

وليست كذلك خصومة دائمة مع الأغلبية.

المعارضة البرلمانية في جوهرها وظيفة دستورية وسياسية تقوم على:

المراقبة، والمساءلة، والاقتراح، والتقييم، وتقديم البدائل.

ومن هنا فإن المعارضة التي تكتفي بالنقد قد تتحول إلى خطاب احتجاجي، بينما المعارضة التي تجمع النقد بالبديل تستطيع أن تتحول إلى قوة اقتراحية.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لتحالف اليسار.

إذا كان يرفض سياسات اقتصادية أو اجتماعية معينة، فما البديل؟

إذا انتقد تدبير المرافق العمومية، فما نموذجه للإصلاح؟

إذا طالب بمحاربة الفساد والريع، فما هي الآليات التشريعية والمؤسساتية التي يقترحها؟

إذا دافع عن الحريات، كيف يترجم ذلك إلى قوانين ومبادرات؟

بهذا المعنى، تصبح المعارضة مشروعا سياسيا وليست مجرد موقع داخل الخريطة البرلمانية.

من أكبر التحديات التي تواجه الأحزاب ذات الخطاب اليساري العلاقة بين المبادئ والواقع.

فالخطاب السياسي يحتاج إلى القيم، لكنه يحتاج كذلك إلى قابلية التنفيذ.

المواطن لا يريد فقط أن يسمع عن العدالة الاجتماعية؛ يريد مدرسة أفضل، ومستشفى أفضل، وشغلا، ونقلا، وإدارة عادلة، ومجالا عموميا نظيفا، وقضاء فعالا، وحماية اجتماعية قابلة للاستمرار.

ولهذا فإن الخطاب اليساري الذي ينجح في المرحلة المقبلة سيكون مضطرا للجمع بين الخيال السياسي والواقعية الاقتصادية والمؤسساتية.

الخيال السياسي مطلوب لأنه يفتح أفقا للمجتمع.

والواقعية مطلوبة لأنها تمنع تحول الأفق إلى وعود غير قابلة للتحقق.

بين الاثنين توجد السياسة.

من المفيد أيضا تجاوز الثنائية المصطنعة التي تضع الوطنية في جهة والعدالة الاجتماعية في جهة أخرى.

فالدفاع عن العدالة الاجتماعية يمكن أن يكون فعلا وطنيا.

والدفاع عن المساواة يمكن أن يكون تعبيرا عن المواطنة.

وحماية المال العام يمكن أن تكون شكلا من أشكال الوطنية.

وتقوية المؤسسات والديمقراطية يمكن أن تكون جزءا من بناء الدولة القوية.

وقد أكد ميثاق تحالف اليسار، من بين مرتكزاته، الالتزام بقضية الوحدة الترابية وبمقاربة ديمقراطية لتثبيت سيادة الوطن.

وهذه نقطة أساسية في بناء خطاب سياسي متوازن:

الوطنية ليست ملكا لتيار سياسي، كما أن الديمقراطية ليست ملكا لتيار آخر.

الدولة والمجتمع والوطن والمواطنة مفاهيم متداخلة، والسياسة الناضجة هي التي تستطيع الجمع بينها دون اختزال أحدها في الآخر.

ربما يكون هذا هو أكثر الأسئلة حساسية في المعارضة الجديدة.

حزب العدالة والتنمية اختار بدوره موقع المعارضة البرلمانية، بعدما صادق مجلسه الوطني بالإجماع على هذا التموقع في 26 شتنبر 2026.

وبالتالي فإن وجود تحالف اليسار والعدالة والتنمية في المعارضة يطرح سؤال إمكان التنسيق.

لكن تحالف اليسار أعلن موقفا واضحا: لا تنسيق سياسي رسمي مع العدالة والتنمية، مع ترك إمكانية الالتقاء حول ملفات محددة داخل البرلمان.

وهنا ينبغي التمييز بين التقارب السياسي والتوافق الموضوعي.

قد يختلف حزبان اختلافا عميقا حول المرجعية والمشروع المجتمعي، لكنهما يصوتان بالطريقة نفسها في قضية محددة.

وقد يتفقان على تشخيص مشكلة معينة، لكنهما يختلفان جذريا حول الحل.

ومن ثم فإن التقاطع البرلماني لا يعني بالضرورة تحالفا سياسيا.

وهذا يفسر إمكانية حدوث تعاون ظرفي في ملفات مثل الشفافية أو الرقابة أو بعض القضايا الحقوقية، مع بقاء الاختلافات الكبرى في الاقتصاد والمجتمع والسياسات العمومية قائمة.

وقد صرحت قيادة تحالف اليسار بأن الخلاف مع العدالة والتنمية لا يتعلق بالمرجعية وحدها، وإنما يشمل كذلك الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات التي دافع عنها الحزب خلال مشاركته الحكومية.

إذن فإن المسألة ليست: هل سيتحالف اليسار مع العدالة والتنمية؟

بل السؤال الأكثر دقة هو:

يمكن تصور المعارضة الجديدة وفق دوائر متعددة.

هناك دائرة المشروع السياسي، حيث الاختلافات كبيرة.

وهناك دائرة العمل البرلماني، حيث يمكن أن تتقاطع بعض المواقف.

وهناك دائرة القضايا الوطنية الكبرى، التي قد تسمح بتوافقات أوسع.

وهناك دائرة المجتمع والمواطنة، حيث يمكن أن تتلاقى مطالب فئات اجتماعية مختلفة رغم اختلاف المرجعيات الحزبية.

بهذا المعنى، لا يحتاج البرلمان إلى أن يتحول إلى كتلة سياسية واحدة حتى يكون فعالا.

بل يمكن أن تكون قوة المعارضة في تعددها، شريطة أن يكون هذا التعدد منظما، وأن يكون الاختلاف قائما على البرامج لا على الشخصنة، وأن تكون المواقف قابلة للتفسير أمام المواطن.

يبقى السؤال اليساري الأكبر خارج حدود تحالف اليسار نفسه.

فإذا كانت هناك ثلاثة مكونات يسارية كبرى نسبيا في البرلمان الجديد: تحالف اليسار، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، فإن السؤال لا يتعلق بإعادة إنتاج حزب واحد، وإنما بإمكان بناء ثقافة تعاون يساري جديدة.

الاتحاد الاشتراكي يمتلك تاريخا مؤسساتيا وتنظيميا عميقا.

والتقدم والاشتراكية يمتلك تجربة يسارية تاريخية ومؤسساتية وحكومية.

وتحالف اليسار يمتلك حاليا دينامية وحدوية جديدة بين مكوناته، مع خطاب معارض واضح.

هذه العناصر لا تلغي الاختلاف، لكنها تجعل التنسيق الموضوعي ممكنا في بعض القضايا.

والتجربة البرلمانية هي المجال الطبيعي لاختبار ذلك.

ليس بالضرورة من خلال فريق واحد.

وليس بالضرورة من خلال تحالف انتخابي.

بل ربما من خلال تنسيق ملفاتي: مشروع قانون، قضية اجتماعية، دفاع عن مرفق عمومي، رقابة على سياسة عمومية، أو مبادرة تتقاطع حولها المواقف.

وهذا النوع من التنسيق قد يكون أكثر واقعية من محاولة فرض وحدة تنظيمية قبل نضج شروطها.

تكشف نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 أن تحالف اليسار انتقل من حضور برلماني محدود إلى تمثيلية من ثمانية مقاعد، وهو تغير عددي واضح مقارنة بـ2021. لكن القيمة السياسية لهذا التحول ستتوقف على قدرة التحالف على تحويل الرقم إلى أداء مؤسساتي مستمر.

كما تكشف المرحلة الجديدة أن اليسار المغربي لا يزال متعدد المكونات، وأن وحدة المرجعية لا تكفي وحدها لصناعة وحدة سياسية.

تحالف اليسار اختار الحفاظ على استقلاليته، ورفض المشاركة في الحكومة، ورفض تشكيل فريق مشترك مع التقدم والاشتراكية، كما أعلن عدم الدخول في تنسيق سياسي مع العدالة والتنمية، مع ترك الباب أمام التقاطع في بعض الملفات.

وهذه الخيارات تمنحه وضوحا في التموقع، لكنها في الوقت نفسه تضع عليه مسؤولية إثبات أن الاستقلالية يمكن أن تنتج تأثيرا سياسيا.

إن ما بعد الانتخابات قد يكون أهم من الانتخابات نفسها.

فالانتخابات تمنح الأحزاب مقاعد، أما السنوات البرلمانية فتمنحها إما المصداقية أو تسحبها منها.

وتحالف اليسار يقف اليوم أمام فرصة سياسية لا تختزل في عدد النواب الثمانية، وإنما في قدرته على بناء نموذج جديد للعمل اليساري: يسار ديمقراطي، اجتماعي، وطني، مؤسساتي، قادر على النقد والاقتراح في الوقت نفسه.

ولا تكمن المسألة في أن يصبح التحالف أكبر من غيره، ولا في أن يثبت أنه الممثل الوحيد لليسار، وإنما في أن يثبت أن هناك معنى سياسيا جديدا للانتماء إلى اليسار.

فالمواطن لا يقيس الأحزاب فقط بما تقوله عن العدالة الاجتماعية، بل بما تستطيع أن تفعله من أجلها.

ولا يقيس المعارضة بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على إنتاج البديل.

ولا يقيس الوطنية بالشعارات، بل بالدفاع عن المصلحة العامة وصيانة المؤسسات والمال العام والكرامة الإنسانية.

يمكن استشراف ثلاثة مسارات محتملة لتحالف اليسار خلال الولاية المقبلة، دون اعتبار أي منها نتيجة محسومة:

ويتمثل في تحويل التحالف الانتخابي إلى بنية سياسية وتنظيمية مستقرة، وهو ما ينسجم مع الميثاق الذي يتحدث عن هياكل دائمة ومستدامة بعد الانتخابات.

وذلك من خلال تحويل المقاعد الثمانية إلى قوة تشريعية ورقابية، وتقديم مشاريع قوانين وبدائل اقتصادية واجتماعية قابلة للنقاش.

أي الحفاظ على الاستقلال التنظيمي، مع التعاون مع مختلف مكونات المعارضة أو الأغلبية في الملفات التي تتقاطع فيها المواقف، دون تحويل كل تقاطع إلى تحالف سياسي.

وهذا المسار الأخير قد يكون الأكثر انسجاما مع طبيعة البرلمان باعتباره مؤسسة تعددية، لا مجرد فضاء لتجميع الكتل.

  1. تحويل تحالف اليسار من اتفاق انتخابي إلى مؤسسة سياسية دائمة وفق المقتضيات التي تضمنها ميثاقه.
  2. وضع برنامج برلماني سنوي واضح يتضمن أولويات تشريعية ورقابية قابلة للقياس.
  3. إعطاء الأولوية للملفات الاجتماعية: التعليم، الصحة، التشغيل، الحماية الاجتماعية، العدالة المجالية، والقدرة الشرائية.
  4. ربط الخطاب اليساري بالبدائل الاقتصادية حتى لا يبقى النقد منفصلا عن سؤال التمويل والتنفيذ والاستدامة.
  5. فتح قنوات للحوار مع مختلف مكونات اليسار دون اشتراط الوحدة التنظيمية.
  6. اعتماد التنسيق الموضوعي بدل التحالفات الظرفية كلما تعلق الأمر بقضايا تتقاطع حولها المواقف.
  7. الحفاظ على استقلالية القرار السياسي مع عدم تحويل الاستقلالية إلى عزلة برلمانية.
  8. تطوير خطاب وطني مواطني يجمع بين الديمقراطية والوطنية والعدالة الاجتماعية.
  9. الانتقال من خطاب الاحتجاج إلى خطاب البدائل، لأن المجتمع يحتاج إلى حلول بقدر حاجته إلى النقد.
  10. إعادة الاعتبار للمواطن باعتباره معيار الأداء السياسي، بحيث يصبح نجاح النائب والحزب مرتبطا بما يقدمانه من تشريع ورقابة واقتراح، لا بعدد التصريحات الإعلامية.

إن مستقبل تحالف اليسار لن يحسمه عدد المقاعد الثمانية وحده، كما لن تحسمه طبيعة علاقته بالتقدم والاشتراكية أو بالاتحاد الاشتراكي أو بالعدالة والتنمية.

الذي سيحسمه هو سؤال أبسط وأصعب في الوقت نفسه:

هل يستطيع هذا التحالف أن يحول اليسار من ذاكرة سياسية إلى قوة اقتراحية حاضرة، ومن خطاب المعارضة إلى مشروع مجتمعي قابل للإقناع والتنفيذ؟

فإذا كانت الانتخابات قد أعطته مساحة جديدة داخل البرلمان المغربي، فإن المرحلة المقبلة ستطالبه بتحويل هذه المساحة إلى مسؤولية سياسية، ومصداقية مؤسساتية، وحضور اجتماعي، وبديل ديمقراطي واضح.

وهنا فقط يصبح الانتقال من المقاعد إلى المعنى هو الاختبار الحقيقي لما بعد انتخابات 23 شتنبر 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *