إدريس الكنبوري: تعقيب على نفسي

الوطن 24/ بقلم: الدكتور إدريس الكنبوري

من الصعب أن تركب منزلة العقل في زمن التجييش المتطرف من كل الجهات، في لحظة دقيقة وفي منطقة لزجة تنزلق فيها أقدام العارفين.

فتعليقا على تدوينتي الأخيرة عن جريمة مدينة نيس الفرنسية تقاطرت تعليقات منحرفة صادرة عن اتجاهين أعرفهما جيدا: اتجاه فرانكوفوني، واتجاه إسلاموفوبي؛ الأول يرى واجبه الدفاع عن فرنسا، والثاني يرى واجبه الهجوم على المسلمين، بداعي الهجوم على الإسلام السياسي؛ وبالمناسبة هذا الموقف الأخير هو موقف اليمين الفرنسي، الذي يريد الرئيس ماكرون أن يخطب وده.

خلفيات هذه التعليقات معروفة، وما يدل عليها أكثر أن الكثير منها جاء من أشخاص مجهولين بدون هوية، هدفهم التخفي للهجوم، ولكن كما قال الشاعر:

كناطح صخرة يوما ليفلقها

فلم يضرها، وأوهى قِرنه الوعِلُ.

من يقرأ تدويناتي ومقالاتي ويتابع مشاركاتي يعرف أنني لا أميل إلى التشغيب، وأكره التحشيد، وأمج الاستقطاب الإيديولوجي، وأكره الجهل والتجهيل، وأميل إلى نصرة العقل والوسطية. وإذا كان هناك من يريدون أن ينزلوا بثقلهم كله على المسلمين جميعا، بمن فيهم المسلمون في فرنسا اليوم الذين يعيشون على أعصابهم، فيجب أن لا يولوا على وزني، ويمكنهم الاعتماد على الحجارة.

إنني منذ أكثر من ثلاثين عاما وأنا أدرس الحالة الإسلامية، ومنذ عقدين من الزمن وأنا أدرس الحالة “الجهادية”، وأعرف من خبرتي ودراستي أننا نسير نحو مرحلة صعبة بميزان الصراع الحضاري، وأننا ما لم ننقذ الموقف بإعطاء الكلمة إلى العقلاء المؤمنين من كل الاتجاهات، فسنكون كمن يضع السم في الفنجان ويكتب فيه شعرا ثم يشربه.

انظروا خلفكم بعيون مفتوحة وبدون حقد: كانت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية تعتقد أنها دخلت مرحلة جديدة دون رجعة، وأنها دفنت اليمين المتطرف تماما بنهاية النازية والفاشية، وأن خطاب “الطرد” و”الصفاء العرقي” انتهى إلى الأبد. ومنذ عقد من الزمن لا حديث لدينا إلا عن اليمين واليمين المتطرف في أوروبا، بل إن هذا اليمين بدأ يلج الحكومات، وقريبا سوف ينتصر بالتأكيد، وسوف يعود خطاب الطرد والصفاء العرقي من جديد.

ولذلك المرحلة تحتاج مفكرين لتقديم قراءة موضوعية واقتراح بدائل، لا إلى “مدونين” لديهم نزوات ويكرهون كل شيء، ويقولون ما يريد الآخرون أن يسمعوه، أو يقولون ما يتلقون عليه أجرا.

إذا كان بعض الجهال الحاقدين قد قرأوا تدوينتي على أنها تأييد للإرهاب، فيجب أن أقول لهم ما يتعلمون منه:

ـ أولا: لقد التحقت بلدان عربية وازنة بنداء المقاطعة للبضائع الفرنسية، والتحقت مؤسسات علمية وفكرية في العالم الإسلامي كله بهذا النداء، ولم تعد دعوة المقاطعة نداء يخص “الإسلاميين” مثلا أو المتطرفين، فهل هذه البلدان العربية والمؤسسات تابعة للإسلاميين، أم الإسلاميون تابعون لهذه البلدان والمؤسسات؟؟؟ أم أن مواقف هذه الجهات كانت تشجيعا للإرهاب؟

ـ ثانيا: لقد أصدرت جميع الدول العربية والإسلامية تقريبا بيانات حادة اللهجة ضد التصريحات الطائشة للرئيس الفرنسي حول عدم التراجع عن الرسوم، وكأن الأمر مباراة في التينس كما قلت، ومنها المجلس العلمي الأعلى في المغرب. فهل كانت هذه البيانات تشجيعا على التطرف وتزكية لما يمكن أن يقوم به القاتل في نيس؟.

وحتى نفهم المسألة جيدا لا بد هنا من استغلال الفرصة لتوضيح ما يلي: لقد انتقد الكثيرون في المغرب وغيره تأخر الدول العربية والإسلامية في التعبير عن موقف تجاه تصريحات ماكرون، وهاجم البعض في المغرب المجلس العلمي الأعلى بسبب تأخره بأربعة أيام على إصدار بلاغه التنديدي، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة.

لقد وضع الرئيس الفرنسي الدول العربية والمؤسسات الرسمية في حرج كبير جدا، وأنا أجزم جزما قاطعا أن التأخر في التعبير عن موقف كان نابعا من الرغبة في أن يتراجع الرئيس الفرنسي عن تصريحه المتعنت لكي يعفي هذه المؤسسات من مواجهة تصعيد بتصعيد، الأمر الذي لا يخدم سوى المتطرفين من الجانبين في توقيت صعب، ولكن لما تشدد ماكرون في موقفه، صار الشارع هو صاحب الكلمة الأخيرة، فاضطرت الدول والمؤسسات الرسمية إلى مماشاة الشارع، وإلا سنصبح أمام قضية أخرى.

إن المواقف الصبيانية تناسب مباراة لكرة القدم. فأنت في مباراة كرة القدم مضطر لكي تناصر فريقا واحدا فقط، لا الفريقين معا. لا يمكنك أن تصفق عندما يسجل الفريق الأول، ثم تصفق عندما يسجل الفريق الثاني، وإلا كنت في عداد الحمقى.

في السياسة وفي الصراع الحضاري عليك أن تصفق لكل من خطا خطوة إيجابية في اتجاه العقل والمنطق. لا يمكنك أن تكون مع فريق واحد إلى النهاية، وإلا كنت في عداد الحمقى.