إدريس لشكر يُفجّرها من قلب المغرب المهمّش: سوق الأربعاء الغرب عنوان صادم لاختلالات العدالة المجالية والتنمية المفقودة.

في مشهد سياسي لافت، شهدت مدينة سوق الأربعاء الغرب شمال المغرب، يوم الخميس 17 يوليوز 2025، لقاءً تواصليًا من العيار الثقيل نظّمه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بحضور الكاتب الأول للحزب إدريس لشكر، وذلك في إطار الجولة الوطنية التي تسبق المؤتمر الرابع عشر المرتقب في أكتوبر المقبل.

هذا اللقاء، المنعقد تحت شعار: “العدالة المجالية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية: دعامة للتنمية بسوق الأربعاء الغرب والمغرب عمومًا”، لم يكن مجرد تظاهرة حزبية روتينية، بل تحوّل إلى محطة سياسية رمزية كشفت عمق التفاوتات المجالية التي يعيشها المغرب، وأعادت طرح الأسئلة المؤجلة حول مستقبل التنمية خارج المحاور الكبرى.

سوق الأربعاء الغرب، المدينة الواقعة بين محور القنيطرة وسيدي قاسم، لا تزال تعيش واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا هشًا، رغم موقعها الجغرافي المهم وكثافتها السكانية العالية. تعاني المدينة من ضعف البنيات التحتية، غياب المستشفى الإقليمي، تأخر مشاريع الطرق والماء الصالح للشرب، وغياب فرص الشغل، وهو ما يجعلها نموذجًا صريحًا لما تسميه بعض الأوساط بـ”المغرب غير النافع”.

من هذا المنطلق، اعتبر إدريس لشكر أن اللقاء ليس مجرد مناسبة حزبية، بل “صرخة سياسية من أجل الإنصاف الترابي”، مؤكدًا أن حزب الاتحاد الاشتراكي، بحكم مرجعيته الاجتماعية، لا يمكنه أن يظل محايدًا أمام ما أسماه بـ”الظلم المجالي الذي يطال مناطق بكاملها رغم ما تقدمه من نخب وكفاءات ويد عاملة”.

كلمة إدريس لشكر اتسمت بالوضوح والمكاشفة، حين قال: “المغرب اليوم لا يمكنه الاستمرار بهذا التفاوت الحاد في التنمية. هناك مغربان: مغرب يحصد الاستثمارات والاهتمام، وآخر يُدفن في الصمت. سوق الأربعاء ليست مجرد نقطة في الخريطة، بل مدينة يجب أن تُعاد لها كرامتها الإنمائية والسياسية.”

هذا الموقف لا يُقرأ فقط من زاوية الاستعداد للمؤتمر الوطني للحزب، بل يمكن اعتباره عودة ناعمة للاتحاد الاشتراكي إلى عمق المغرب الاجتماعي، بعد سنوات من الانكماش السياسي، خاصة في المدن المتوسطة والصغرى التي شكّلت يومًا ما خزانًا انتخابيًا تقليديًا للحزب.

اللقاء كان أيضًا مناسبة للإشادة بالنائبة البرلمانية عائشة الكرجي، التي اعتبرها لشكر “نموذجًا للمرأة المغربية المناضلة”، في ظل ما وصفه بـ“ضعف الدعم السياسي والمالي للنساء الجادات”. وأكد أن الحزب يعتزم تعزيز مكانة المرأة داخل أجهزته، تمهيدًا لاستحقاقات جماعية مستقبلية يُعوّل عليها في إعادة التوازن السياسي بالمغرب.

وقال بالحرف: “نحن نؤمن أن النساء لسن فقط رموزًا انتخابية، بل قادرات على صناعة القرار المحلي والإقليمي، وهن الأقرب إلى معاناة المواطنين.”

ما يميز اللقاء هو الحضور الكثيف والتفاعل الشعبي القوي مع مداخلات القيادة الحزبية. تحدثت الساكنة عن قضايا ملموسة: ضعف الخدمات الصحية، غياب مناطق صناعية، هدر الماء، انهيار الطرق، تفكك النسيج التعليمي، و“الجمود الإداري” الذي يطبع علاقة المواطن بالمؤسسات.

هذا التفاعل الشعبي، من زاوية تحليلية، يعكس شيئًا أبعد من الدعم الحزبي الظرفي. إنه تعطّش سياسي في المغرب العميق إلى خطاب جاد يعترف بالأزمة، ولا يقدّم شعارات مستهلكة أو لغة تقنية باردة.

رسائل هذا الحدث السياسي تتجاوز حدود حزب الاتحاد الاشتراكي. فمن جهة، يُظهر اللقاء أن هناك محاولة لإعادة تموقع الاتحاد داخل الفضاء الترابي للمغرب المهمّش. ومن جهة ثانية، يعكس إدراكًا لدى بعض الأحزاب بأن الحديث عن “العدالة المجالية” لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية للحفاظ على التماسك الوطني.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن “النموذج التنموي الجديد”، يبدو أن واقع الحال في مدن مثل سوق الأربعاء يُعيد تذكير صناع القرار بأن التفاوت الجهوي لا يزال هو التحدي الأكبر أمام أي مشروع إصلاحي في المغرب.

لقاء إدريس لشكر في سوق الأربعاء الغرب لم يكن مجرد جولة حزبية، بل كان لحظة سياسية كاشفة. كشف حجم الغضب الاجتماعي المكتوم، وبيّن أن العدالة المجالية ليست مجرد بند في الدساتير أو السياسات العمومية، بل هي سؤال وجودي في مغرب يتغيّر على إيقاع الأزمات والانتظارات.

إن كانت هذه المحطة ستجد صدى حقيقيًا داخل المؤتمر الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي، أو بين صفوف صناع القرار في الرباط، فذلك ما ستكشفه الأسابيع المقبلة. لكن الأكيد أن رسالة “المغرب المنسي” وصلت بصوت مرتفع من قلب سوق الأربعاء الغرب.