الأتراك قادمون

الوطن 24/ بقلم: الدكتور إدريس الكنبوري

من شاء التعرف على تاريخ المغرب وكيف كان هذا البلد وكيف أصبح عليه بكتاب الشيخ أبي العباس الناصري “الاستقصا” الشهير. كان المغرب قوة دولية وإقليمية يحسب لها ألف حساب، وكان السلاطين العثمانيون يقدرون سلاطين المغرب بل يطلبون أحيانا وساطتهم كما كان يحصل في الفتن التي تحدث بين الأتراك والجزائريين. لم يدخل العثمانيون المغرب كما دخلوا الجزائر وتونس، لكنهم ظلوا يراقبون من بعيد دولة قوية بسلاطينها وشعبها وأسطولها الكبير الذي وظفته في حركة الجهاد في الأندلس، حتى إن صلاح الدين الأيوبي طلب مساعدة المغرب في حروبه مع النصارى.
ومما يذكره الناصري في القسم الخاص بالسعديين أن أبا عبد الله الشيخ السعدي رفض الدعاء للسلطان العثماني على المنابر وضرب السكة باسمه، وهما رمزان للسيادة كما هو معروف، وبعث إليه رسالة قوية اللهجة مع المبعوثين الترك، فاستشاط السلطان العثماني غضبا، وفكر في غزو المغرب لكن مستشاريه حذروه من ذلك لأن المغرب بلد له شوكة، فعوض ذلك بتدبير مؤامرة خبيثة وهي دس بعض الأتراك في البلاط السلطاني بدعوى أنهم فارون من السلطان العثماني، ثم قتلوا السلطان السعدي.
كان هذا في زمن كان العثمانيون فيه إمبراطورية عظمى، والناصري نفسه يسمي عاصمتهم “اصطنبول العظمى”، إمبراطورية مترامية الأطراف تخافها الدول الأوروبية والكنيسة الكاثوليكية القوية، بينما كان المغرب دولة واسعة المساحة لكنها لا شيء مقارنة باتساع الإمبراطورية، مع ذلك كان المغرب بلدا قويا بسبب العدل والجدية والعلم واحترام العلماء والفقهاء. ويحكى في هذا الباب أن المنصور الذهبي زوج أخته من شخص ـ لم يحضرني اسمه والقصة في الاستقصا ـ ومرة تشاجر الزوجان فذهبت أخت السلطان إلى بيت أخيها وبقيت هنالك، فرفع الزوج دعوى إلى أحد القضاة، فذهب القاضي إلى السلطان وقال له إن فلانا يطلب زوجته، فلم يرد عليه السلطان. ثم جاء الزوج مرة ثانية إلى القاضي، فذهب القاضي إلى السلطان وقال له: الرجل طلب زوجته المرة الأولى وهذه الثانية. فلم يرد عليه السلطان. ثم جاء الزوج مجددا شكواه إلى القاضي، وذهب القاضي إلى السلطان وقال له: الرجل طلب زوجته مرتين وهي في بيتك، وهذه الثالثة، إما أن ترد إليه زوجته أو تعفيني من القضاء. فنزل السلطان عند أمره وأرسل في طلب أخته وردها إلى زوجها.
واليوم تبدو لنا هذه الحكاية خرافية، ولكن لأن أخلاق الناس كانت خرافية أيضا، لكن النهضة ليست خرافة، بل هي حقيقة يشترك فيها شعب ودولة. ومن يطالع تاريخ بلده يحز في صدره ما وصلنا إليه اليوم من انحدار على كافة المستويات، سوى مستوى واحد، هو الانحدار.
فهل يكرر التاريخ نفسه بطريقة سيئة جدا؟ تركيا اليوم موجودة على أبوابنا، في الجماهيرية العظمى، وهي اليوم تشتغل على شيء واحد وهو إحياء الذاكرة التاريخية وتجديدها. بعد ليبيا سوف تدخل تونس وقد تدخل الجزائر. ليس هذا حلما، بل هي تكهنات قد تصبح حقائق بفعل تفاعلات الساحة الدولية، فمن كان يعرف أنها سوف تصل إلى ليبيا؟.
والسؤال هو: هل تفكر اليوم في الانتقام للأمس؟ وهل تفكر في دخول المغرب أو على الأقل في زرع فتنة فيه؟ كل شيء ممكن، لكن خلافا لقاضي المنصور سنرى وقتها أن هناك من يستقبلها، لا قدر الله.
