الباشويون والعدل والإحسان وحصار المدينة.. والله فوقنا
الوطن 24/ بقلم: ذ. عبد القادر الدحمني كاتب وروائي

لم تكلّف السلطات بمدينة سوق الأربعاء نفسها عناء إصدار بلاغ توضيحي، ولو بعد كل الذي جرى في المدينة من أحداث، من تفشٍّ للوباء عن طريق عدم إغلاق معامل الفراولة بنواحي منطقة لالة ميمونة ومولاي بوسلهام، ومن تشديدٍ قاسٍ للحصار على المدينة وسكانها، ومن محاولة احتجاج التجار جراء الخنق الاقتصادي وتردي المعيشة بعد شهور الحجر الصحي، ومن رفض خطير لمنطق الحوار، والتدخل لمنع وقفة احتجاجية، وتوقيف ثمانية أفراد وإنجاز محاضر لهم قبل إطلاق سراحهم.
وعلى عكس ما كان منتظرا في مثل هذه الأحداث والتطوّرات، من ضرورة فتح قنوات التواصل والحوار مع الرأي العام، ومع التجار والمهنيين، وباقي الفئات المجوّعة بفعل الحصار، استمرّت السلطات في صمتها المقدّس دون أن تتمكّن بيانات الجمعيات أو التنظيمات السياسية من زحزحتها عن استغراقها في الصمت العميق، والذي يذكّرني شخصيا بصمت أصحاب اليوغا في مقاماتهم النرفانية العليا، ويستجلب معه بالضرورة سنوات الصّمت والرصاص، حيث الفكر الواحد والتدبير الأحادي، وللشعب القمع أو “النخّالة”.
فإلى حد الساعة لم تخبرنا باشويتنا العزيزة عمّا جرى ويجري، ولماذا “تَوَبّأت” مدينتنا (من الوباء، نحاول أن نغني المعجم قليلا) عن بكرة أبيها؟ وكيف تم ذلك بالضبط؟ وما الذي دفع السلطات إلى خنق المدينة من جديد، وإحكام الحصار فيها وحولها؟ إلى درجة فاقت كل التقديرات والتوقعات والظنون، ولِمَ لَمْ تَسْع باشويتنا الصامتة إلى توضيح حجم الإصابات في المدينة المسكينة؟ ولماذا يتم إغلاق باب الحوار بالإنزالات الأمنية والحواجز المتناسلة والتوقيفات والمحاضر؟
منذ سنوات ارتفعت المطالب بنقل المدينة من مجرد باشوية إلى عمالة، نظرا لاتساع مجالها الجغرافي وغناها الكبير، وتنوعها المتكامل، ولكن كل ما هنالك، لا يعدو أن يكون مجرّد تمنيات ووعود وتخمينات يكذّبها الواقع المتجهّم، وتجرجرها في التراب تلك الصيغة المخزنية البائدة التي يتم التعاطي بها مع المدينة، فهي مجرّد “سوق” لا تستحق حوارا ولا تواصلا ولا نقاشا حضاريا يتم بموجبه تلاقح الأفكار وتطويرها والإفادة منها، على الأقل تنزيلا لما تحدّث عنه الدستور من إشراك لجمعيات المجتمع المدني ووو…
متى يُرفع الحصار؟ لا خبر، ما هي حدود الحصار جغرافيا؟ لا أثر، ما الذي يمنع من عودة التجار والمهنيين إلى مزاولة أعمالهم بعد شهور من الخنق والتجويع؟ لا نظر.
هذا عن الحصار، فماذا عن “الباشويين”؟
على مرّ العصور كان هناك من يتناغم مع خطاب السلطة ويتعلّق بها، ويُغرم بتفاصيلها ويمدح ويغني ويرقص ويلهث، ليس الأمر جديدا إذا، فظاهرة الباشويين أعني بها، من حيث تسقيفنا الإداري الحالي، الانتساب والولاء المطلق لما يقوله المخزن في المدينة والتماهي مع السلطة بإحالاتها المختلفة، دون أن يمنعنا هذا أحيانا من رؤية الحق حقا واتباعِه، والباطل باطلا واجتنابِه، لكن “الباشويون الجدد”، نسوا بأن للسلطات منابرها ومتحدّثوها، ونسوا بأن لها مؤسساتها التي تدافع عنها مقابل رواتب وأموال من الضرائب التي ندفعها طبعا، نسي هؤلاء أنفسهم؛ فالمفروض أنهم ينتمون إلى المجتمع المدني، وإلى سكان المدينة طبعا، ويكتوون بنفس النار الزرقاء، ويشربون من نفس الكأس. لكنهم راحوا يدبّجون قصائد المديح، ويرقصون على “الأغاني الخالدة”: “شوف واسكت”، و”هاد الشي اللي عطى الله”، “آش دخّلنا فهاد الشّي”، وبالتالي، فليس ثمة إلا الرقص المستمر و”زيد دردك عاود دردك”، وهو ما يجعلنا نتساءل أو أن ندّعي أن بكؤوسهم بعض المنسّمات المُضافة التي اختُصُّوا بها وحدهم دون سواهم، وأننا لا نشرب من كأس واحدة كما توّهمنا.
لا أتحدّث هنا عمّن يرى أن هناك جهود بُذلت، خاصة من طرف رجال الأمن، ويجب الاعتراف بها، هذا لا نتحدّث عنه، لأنه ليس من دأبنا أن نسفّه جهود من اجتهد أو نبخس نزاهة من استقام، وإنما نتحدّث عن ظاهرة أخرى، تقفز بعيدا عن اعتدال الأحكام وثقافة الاعتراف وواقعية النّظَر، نتحدث عن الباشويين، ببعد سوسيولوجي وسياسي وأخلاقي بالضرورة.
الباشويون، هم أناس بسطاء في الغالب، ذوو مستوى تعليمي متوسط في العموم، وهذا ليس عيبا، لكنهم مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، بدأوا يطالعون ما يجري، ويتجرأون فيكتبون ويعلّقون، ويجمعون الجيمات، ويشنون حروبا غامضة، إلى أن تمكن بعضهم من نيل الحظوة، وبلوغ المرام. والحظوة تجعلك طيّعا، هينا ليّنا، تقتفي تفاصيل التعليمات وتسعى جهدك لنيل المزيد من الرضى والقرب. لا تذهبوا بعيدا، الحظوة في مدينتي لا تعدو أن ينتفش صدرك حين يرنّ هاتفك، وتخبر رفاق جلستك في المقهى أن سعادة الباشا هو من يتصل، أو البرلماني الفلاني، أو المسؤول الفلاني شخصيا، فتهتزّ نبضاتك طربا، وتفيش تيها في المشية والوِقفة، ومن حينها، تصبح وجها من وجوه المدينة، قد يطالك بعض فتاتها المنهوب، ثم تتماهى مع السلطة، وتعتبر نفسك قد صرت جزءًا أصيلا من مكوناتها، ويستحيل الاستغناء عنك أو تجاوزك، لأنك المستند الضروري كما أوهموك الذين نسميهم “غرارّين عويشة”، ثم ما تلبث أن تبدأ جديا في التفكير في دخول الانتخابات بدورك، وتجريب حظك، خاصة إن لَمَزَ اتصالٌ “عالٍ” إلى توجُّهٍ يريدك أن تنحو نحوه، أو أشخاصٍ عليك أن تقترب منهم وتدخل تحت ظلهم.
وهناك باشويون أقل من هذه المنزلة، وهم من يطمعون، ولمّا ينالوا ما يرومون. فهم على دأبهم في المدح والتطبيل، وتراهم منتبهين متيقّظين في انتظار التقاط إشارة ما، كي يهجموا على شخص غير مرغوب فيه، أو يتداعوا إلى تمييع الأجواء وتسطيح النقاش وإطلاق التهم والفرقعات و”السلوكيات”، وهذا بالضبط ما حصل للصحفي القنيطري المتميزّ بلعيد كروم حين طالته سهام الباشويين، بمجرّد أن قام بمهمته الصحفية بمهنية ومسؤولية، فكان أن وصل الأمر بالطغمة الراقصة إلى اتهامه بالانتماء للعدل والإحسان، وأية “تهمة” أن ينسبك عيال السياسة واللغو المتأخر في مدينة الصمت، إلى أمرين إلهيين عظيمين، ذكرهما رب العزة سبحانه في كتابه العزيز: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”.
غير أن الباشويين المساكين، سواء بإيعاز من هواتف ما، أو من تلقاء الأنفس الأمارة، لا يقصدون لمز الآية لا سمح الله، حاشا، ولا أظنهم يتجرّأون على ذلك، لكنهم تعلّموا بالتجربة والتكرار، وهي من أهم وسائل التعلم كما نعلم، أن العدل والإحسان، بوصفها تنظيما دعويا واجتماعيا وسياسيا وطنيا، صارت أبلغ مثال يُضرب لمن تُهضم حقوقُه، وتنتهكُ حريّته، ويُتّهم من قبل المخزن بمختلف التهم، دون أن يُمَكَّنَ أعضاءُ هذا التنظيم من وسائل الإعلام كي يردّوا التهم عن جماعتهم، ودون أن يفسح لهم في “دولة الحق والقانون” مساحة تناسبهم، ليمارسوا مواطنتهم الكاملة، ويشرحوا وجهة نظرهم، ويتواصلوا مع الناس في الضوء وفي الساحات العامة ليعرفوهم بلا وسائط، ولا سياط، نعم، قصدت عبارة سياط، لأنها تناسب صحافة الارتزاق والفضائح والدهاليز المخابراتية، التي أصبحت سياطا مخزنية رهيبة للتشنيع على المعارضين والتشهير بهم والتنكيل برمزيتهم ومعنوياتهم بلا خطوط حمراء ودون رادع من دين أو مروءة.
وفي هذا الصدد، أريد أن أخبر من لا يعرف، أو ليست له الجرأة الكافية ليعرف، بأن العدل والإحسان، فعلا صارت هي “المتمرّد” الوحيد على المنطق المخزني البائد، وصارت هي “الفاتن” الوحيد للمخزن أن يستمر في جمعه بين السلطة والثروة، وفي تكريس الحكم الفردي المطلق خارج منطق التاريخ، ومنطق الديمقراطية، ومنطق الدين الذي يتمسّح به ويوظفه أخزى توظيف.
وما دام الباشويون مصرّون على تخويف الناس من الانتماء للعدل والإحسان وما يجرّه من عواقب وما يطال أهلها من غَصْبٍ للحقوق وقمع للحريات وتضييق وحصار ومنع، فإنّه لا بدّ من تذكير هؤلاء ومن يوحي لهم، بحقيقة واضحة بسيطة: وهي أن الله فوقنا، والموت حقيقة حتمية، والوقوف بين يدي ملك الملوك آت لا محالة. ألا هل من معتبر ! هل من عاقل يقي نفسه من دعوات المظلومين ! خاصة ممن لا ناصر لهم إلا الله.
ولمن يملك شغف المعرفة، نُحيلُه على تاريخ الجماعة بالمدينة، ففيه من الأحداث والوقائع ما أنصح بالاطلاع عليه ومعرفته جيدا، ذلك أن العدل والإحسان، ليست شمّاعة أخطاء تعلّق عليها السلطة فشلها الذريع في تدبير الملفات باستفراد واضح، وليست فزّاعة لإخافة الناس، وليست شيئا طارئا على الواقع، أو مدسوسا فيه، بل يعترف الجميع أنها أقوى تنظيم سياسي متجذر في المجتمع المغربي، وأكثر التصاقا بهمومه وقضاياه وأكثر تحررا من ربقة الزّيف وتوافقات مسرح الدمى. فهي لم تبرح إصرارها الدائم على أن تعيش إسلامها في أحضان المجتمع المسلم، بعيدا عن بخور الإسلام المخزني وتهويماته، وتطالب بالعدل منهجا للحكم، وبالإحسان سلوكاً يزيّن بناء مجتمع العمران الأخوي المنشود.
وآخر الكلام:
العبوا بعيدا عن ساحتنا رجاءً، واجهوا مطالب الناس وافتحوا الحوار معهم، وتعلموا الإنصات لزفرات الأسى وصرخات الألم وأنين الجوع، ولا تزجوّا بنا في أزماتكم يرحمكم الله، فقد كنا ولا زلنا في قلب المجتمع بحمد الله تعالى، ولم نتنصّل يوما من مسؤولياتنا الدعوية والتربوية والسياسية، في الوقوف ضد الظلم والشطط، وفي مدافعة الفساد والاستبداد، وفي مقاومة التصحّر الإنساني وثقافة الصوت الوحيد، وفي إشاعة جو الثقة بدل الخوف، وجو الرحمة بدل العنف، وجو الحوار بدل القمع، وجو التعاون والتشارك بدل الاستفراد والأحادية.
لا زلنا كما عهدتمونا، واثقين من غد مشرق في مغرب جديد، رغم مكر الماكرين، لم نفقد حِلمنا ولا ثقتنا في ربنا، راسخين في درب بناء مجتمع المحبة والتعاون، لم تستفزنا دعوات التهافت، ولا شطحات الزيف، ولا أبواق الجوقة العابرة.
فلمن يصطاد في الماء العكر: لن تربح شيئا ذا بال، ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ونسأل الله حسن العاقبة.
ولمن يهوى لعبة الغميضة: لن تجد أوضح سبيلا ولا منطقا ومنهجا من رجال ونساء وشباب العدل والإحسان، والحمد لله على فضله.
ولمن يخشى النور: عبثا تختبئ يا صديقي، واجه نفسَك، وتحلّ بالشجاعة واكتشف بنفسك سلامة الصدر وعلوّ القصد وشرف المروءة وحبّ الوطن، ستجدها تجربة مميزة، صدِّقني.
