الحمقاء والسبع: صورة رمزية لسوء التقدير وغياب التمييز

تُعدّ الرموز الحيوانية داخل الأدب الأمازيغي الشفهي جزءًا من البنية الثقافية والرمزية التي شكّلت الذاكرة الجماعية للمجتمع الأمازيغي، حيث لم يكن الحيوان مجرد عنصر طبيعي، بل علامة دلالية تُستثمر في التعبير عن القيم والتصورات الاجتماعية والنفسية. وتظهر هذه الرموز بوضوح في الحكايات والأمثال والأغاني الشعبية، كما تحضر في الإبداع النسوي المرتبط بالحياكة التقليدية أو ما يُعرف بـ“أزطا” ⴰⵣⵟⴰ، حيث تعيد المرأة تشكيل الطبيعة داخل زخارف تحمل معاني القوة والخوف والحماية والانتماء.
ومن منظور وصفي ذي بعد إثنوغرافي، يمكن فهم هذه التعابير باعتبارها امتدادًا لما أشارت إليه الباحثة الفرنسية Émile Laoust في كتاباتها حول صعوبة توثيق الشفهي الأمازيغي، حين تأسفت لغياب وسائل التسجيل التي تمكن من حفظ هذا الرصيد الرمزي. فالحكاية الشفوية، والأغنية المرتجلة، والمثل الشعبي، ليست مجرد تعبيرات لغوية عابرة، بل تمثل ما يمكن تسميته بـ“الإثنولوجيا الميدانية” التي تنقل رؤية المجتمع لذاته وللعالم المحيط به.
وفي هذا السياق، يبرز التعبير الأمازيغي الذي استُلهم منه عنوان المقال، والمنقول عن الفنان الأمازيغي مختار حكا:
ⵜⵓⴼⴰ ⵜⴰⵃⵢⵓⵜ ⵉⵣⵎ ⴰ ⵀⴰ ⵜⵉⵏⴰⵙ ⴰ ⵢⵓⴳⵓ ⵏ ⵅⴰⵍⵉ
«رأت الحمقاء السبع، فظنّت أنه ثور خالها.»
وهو تعبير رمزي ساخر يكشف، في بنيته العميقة، عن إشكالية سوء التقدير وغياب التمييز بين الحقيقة والوهم. فالحيوان هنا لا يُقدَّم بوصفه كائنًا بيولوجيًا، بل باعتباره رمزًا ثقافيًا يخضع للتأويل الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يمكن استحضار التصور التأويلي لعالم الأنثروبولوجيا الأمريكي Clifford Geertz، الذي يرى أن الثقافة “نسيج من المعاني” يصنعه الإنسان ويعيش داخله، وأن مهمة الباحث ليست وصف الظواهر فقط، بل قراءة دلالاتها الرمزية داخل سياقها الثقافي.
وبالاعتماد على هذا المنظور التأويلي، يتضح أن صورة “السبع” في التعبير السابق لا تحيل فقط إلى القوة أو الخوف، بل إلى كيفية إدراك الإنسان للواقع حين يختلط عليه التمييز بين الحقيقة والوهم. فالمثل ينتقد العقل الذي يعيد إنتاج الواقع وفق تصورات مسبقة وأوهام جماعية، فيتحول سوء الفهم إلى حقيقة متداولة داخل المجتمع.
وتزداد أهمية هذا البعد الرمزي حين نربطه بالحكاية الشعبية الأمازيغية، حيث يُعاد تشكيل صورة الحيوان أحيانًا كأداة للتربية والتخويف. فالجدات، في إطار التنشئة الاجتماعية، كنّ يوظفن شخصيات حيوانية وكائنات متخيلة داخل الحكايات الموجهة للأطفال، ليس بهدف الترهيب فقط، بل لحمايتهم وضبط سلوكهم داخل المجال الاجتماعي. وهكذا يتحول الحيوان من عنصر طبيعي إلى بنية رمزية تؤدي وظيفة ثقافية وتربوية داخل المخيال الجماعي.
وفي الزمن الراهن، يبدو أن بعض هذه الرموز قد فُصلت عن سياقاتها الثقافية الأصلية، مما أدى إلى سوء فهمها وتحويلها إلى موضوع للصراع داخل بعض الأوساط الفنية بالأطلس المتوسط. ويظهر ذلك بوضوح في الجدل الذي أثارته بعض التعابير الرمزية المتداولة بين الفنانين، مثل “أسردون”، التي تنتمي في أصلها إلى الحكاية الشعبية والرمز التربوي، قبل أن تُحمّل دلالات صراعية معاصرة.
ومن هنا، فإن الإشكال لا يكمن في الرمز ذاته، بل في طريقة تأويله وفهمه خارج بنيته الثقافية. فحين يغيب الوعي بالدلالة الرمزية، يتحول التعبير الفني من وسيلة للإبداع والتواصل إلى أداة للصراع وسوء التقدير. لذلك، يظل الأدب الأمازيغي الشفهي مجالًا غنيًا بالرموز والدلالات، يحتاج إلى قراءة علمية وتأويلية تُعيد ربط النصوص بسياقاتها الاجتماعية والثقافية، بدل اختزالها في تأويلات سطحية تُفرغها من عمقها الرمزي والحضاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *