العمل الحركي الإسلامي من منظور مغربي: بين الأصالة والخصوصية

الوطن24/ بقلم: نعيم بوسلهام – باحث في الدين والثقافة والهجرة 

هل يمكن الحديث عن العمل الحركي الإسلامي في المغرب كمنظور أصيل، أم أنّه مجرّد انعكاس لتجارب مشرقية؟ هذا السؤال ظلّ حاضرًا في النقاش الأكاديمي والإعلامي، خصوصًا مع بروز الحركات الإسلامية المغربية كفاعل سياسي واجتماعي مؤثر في العقود الأخيرة.

الجواب يقتضي النظر إلى خصوصية السياق المغربي، التي ميّزت هذه التجربة عن مثيلاتها في المشرق، ليس فقط في البنية التنظيمية أو المرجعية الفكرية، بل في العلاقة مع الدولة والمجتمع، حيث لعبت إمارة المؤمنين، والمذهب المالكي، والوسطية الأشعرية، دورًا حاسمًا في تشكيل ملامح هذا المسار.

سياق مختلف… تجربة مختلفة

إذا كان الإسلام السياسي في المشرق ارتبط بالصراع مع الدولة، فإن المغرب أفرز نموذجًا مغايرًا يقوم على التدافع دون القطيعة. ويعزو الباحث الأمريكي أفي سبايغل هذا التمايز إلى السياق الملكي المغربي، حيث تمكّن النظام السياسي من إدارة التوازن بين استيعاب الإسلاميين من جهة، وتحديد هوامشهم من جهة أخرى، في ظل شرعية دينية متمثلة في إمارة المؤمنين¹.

هذا ما جعل الحركات الإسلامية المغربية، مثل حركة التوحيد والإصلاح، تختار المشاركة السياسية بدل الصدام، بخلاف جماعة الإخوان في مصر التي انتهت إلى مواجهة دموية مع الدولة.

البعد السوسيولوجي: أطروحة غيرتز

في قراءته المقارنة للتدين في المغرب وإندونيسيا، لاحظ السوسيولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز أن التدين المغربي يتسم بسمات الواقعية العملية والارتباط بالمؤسسات التقليدية، مثل الزوايا والمخزن، بخلاف التدين الإندونيسي الذي مال نحو الطقوسية الروحانية². هذه السمة التاريخية تفسر، إلى حد بعيد، البراغماتية التي ميّزت العمل الحركي المغربي، وابتعاده عن الراديكالية المطلقة.

أصالة أم استنساخ؟

صحيح أن البدايات الفكرية للحركات الإسلامية المغربية تأثرت بالمشرق، خصوصًا بأدبيات الإخوان المسلمين، إلا أنّ التجربة المغربية طوّعت هذه المرجعيات وأعادت إنتاجها في سياقها الخاص. وهنا يمكن استحضار ما قاله أوليفييه روا في كتابه الإسلام المعولم (Globalized Islam):

“النموذج المغربي يبرز كحالة وسطية، حيث يتكيّف العمل الحركي الإسلامي مع الدولة بدل السعي لتقويضها”³.

هذه الفكرة تؤكد أن الأصالة ليست في الانقطاع عن الآخر، بل في القدرة على التكييف والابتكار داخل السياق المحلي.

بين الجابري وكيبيل: العقلانية المغربية والاعتدال

لا يمكن إغفال دور العقلانية المغربية، التي أشار إليها محمد عابد الجابري في مشروعه النقدي، حين اعتبر أن الفكر المغربي يتميّز بـ”التحصين ضد الغلوّ عبر آليات المذهب المالكي والمرجعية التاريخية للدولة”⁴.

 

في السياق نفسه، يرى جيل كيبيل في كتابه الجهاد: توسع وانحسار الإسلاموية أن الحركات الإسلامية المغربية أقل عنفًا من نظيراتها في المشرق، بفضل البنية السياسية التي تمنح الشرعية الدينية للدولة وتحدّ من المواجهة⁵.

بين المؤسّسة والاحتجاج: نموذج مزدوج

تشير دراسة الباحثة الإسبانية، بالوما غونزاليس دل مينو (الحركة الإسلامية في المغرب: بين التمأسس والعمل الجمعوي) إلى أن الإسلاميين في المغرب عاشوا ثلاث لحظات مفصلية:

– المواجهة المحدودة في التسعينيات.

– الإدماج والتحكم في عهد الملك محمد السادس.

– مرحلة التهميش الجزئي بعد 2017، خصوصًا بعد تجربة العدالة والتنمية في الحكم⁶.

هذه الدينامية تكشف عن قدرة الدولة على امتصاص الحركات الإسلامية وإعادة إنتاجها في نسقها المؤسسي، مع الحفاظ على تعددية الجمعيات الدعوية والخيرية التي تمنحها عمقًا اجتماعيًا.

مظاهر الخصوصية المغربية:

العدل والإحسان والتيارات السلفية إضافة إلى الحركات المشاركة سياسيًا، تظهر جماعة العدل والإحسان، التي تُعد أكبر حركة احتجاجية دينية في المغرب، مثالًا على الخصوصية المغربية. جذورها تصوفية، لكنها تتبنى خطابًا سياسيًا احتجاجيًا مع رفض المشاركة الرسمية في العملية السياسية، بخلاف الإخوان المصريين. خطابها المهدوي والمنهجي، المرتبط بمنهج عبد السلام ياسين، يُبرز قدرة النموذج المغربي على الجمع بين الأصالة الدينية والمعارضة المنظمة.

أما التيارات السلفية المغربية، فقد شهدت تنوعًا كبيرًا: سلفية علمية مرتبطة بالمؤسسة الرسمية، وسلفية حركية اقتربت من حزب العدالة والتنمية بعد 2011، وسلفية جهادية محدودة قبل المراجعات. هذا التعدد انعكس على اعتدال النموذج المغربي مقارنة بالمشرق، حيث غالبًا ما تكون الصدامية أو العنف أكثر وضوحًا.

هل نملك نظرية مغربية في العمل الحركي؟

اليوم، وبعد مرور عقود على نشأة هذه الحركات، يبدو أن المغرب يمتلك نموذجًا خاصًا يمكن تلخيصه في ثلاث سمات:

1 – البراغماتية السياسية: الانخراط في اللعبة السياسية بدل السقوط في الصدام.

2 – الوسطية المذهبية: التأسيس على المالكية والأشعرية كحاضنة فكرية للاعتدال.

3 – الاستقلال النسبي عن الخارج: غياب التبعية التنظيمية للمشرق، رغم التأثر الفكري.

لكن، هل هذه السمات تكفي لتشكيل نظرية مغربية للعمل الحركي الإسلامي؟ الأمر يظل مفتوحًا، في ظل تحولات المجتمع وتحديات العلمنة والتحديث، وصعود تيارات ما يسمى بما بعد الإسلاموية.

خاتمة

يمكن القول إن العمل الحركي الإسلامي في المغرب يمثل تجربة فريدة، تميزت بالقدرة على الجمع بين الدعوي والسياسي، بين الأصالة والانفتاح على المستجدات الاجتماعية والسياسية. الخصوصية المغربية تتجلى في ثلاث مستويات: المستوى الفكري، حيث أتاح المذهب المالكي والوسطية الأشعرية أرضية فكرية متوازنة؛ المستوى السياسي، حيث مكّنت إمارة المؤمنين من إدارة العلاقة مع الحركات الإسلامية بطريقة تقلل الصدام وتزيد من الانخراط التدريجي؛ والمستوى الاجتماعي، حيث حافظت الزوايا، الجمعيات والخطاب الدعوي على حضور قوي في الحياة اليومية للمواطنين.

علاوة على ذلك، توفر تجربة جماعة العدل والإحسان والتيارات السلفية المغربية مثالًا حيًا على المرونة والتنويع في أشكال العمل الحركي، وهو ما يوضح أن المغرب أنتج نموذجًا مغربيًا أصيلًا للعمل الحركي الإسلامي قادرًا على مواجهة تحديات العصر دون التفريط في جوهره الثقافي والديني. هذه الخصوصية تجعل المغرب مختبرًا مهمًا لدراسة مستقبل الإسلاموية المعتدلة، ليس فقط في المنطقة العربية، بل في العالم الإسلامي عمومًا، وتؤكد أن الأصالة لا تعني الانغلاق أو الانعزال، بل القدرة على الابتكار والتكييف داخل السياق المحلي.

الهوامش والمراجع

  • Avi Spiegel, Young Islam: The New Politics of Religion in Morocco and the Arab World, Princeton University Press, 2015.
  • Clifford Geertz, Islam Observed: Religious Development in Morocco and Indonesia, University of Chicago Press, 1968.
  • Olivier Roy, Globalized Islam: The Search for a New Ummah, Columbia University Press, 2004.
  • Gilles Kepel, Jihad: Expansion et déclin de l’islamisme, Gallimard, 2000.
  • Paloma González del Miño, The Islamist movement in Morocco: Between institutionalisation and associationism, Mediterranean Politics, 2011
  • محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، 1990.