“الغريبة”: رواية مغربية جديدة عن أزمة الأطفال اللقطاء

الوطن 24/ بقلم: الدكتور أحمد جوهري

كان الروائي الفرنسي الشهير كوستاف فلوبير في مراسلاته مع زميلته الأديبة الفرنسية لويز كوليت منبهرا بقوة العاطفة التي تتمتع بها المرأة الأديبة، ويرى في ذلك هبة حباها الله بها ووهبها منها أكثر مما منحه للرجل. لكنه كان يؤاخذها، في الوقت نفسه، على ضعف العضلة، ويحثها على تقوية عبارتها وأسلوبها في المواقف التي تتطلب ذلك.
والحق إن من يقرأ رواية “L’inconnue” في نصها الفرنسي للكاتبة الطبيبة المغربية انتصار حدية لن يخطئ شعورُه ذلك الفيض العاطفي الذي ينبجس من مشاعر الشخصيات الأساسية للرواية، لكنه في الوقت نفسه سيحس بنسيج عضلي متين، ليس في جزالة العبارة وتماسك الأسلوب، وقوة الشخصية وشدة حرصها فحسب، بل في قدرة الكاتبة على التشريح الدقيق لعضلة المجتمع المغربي والوقوف على أدرانه العميقة، ومن ثمَّ تشريح الطبيعة البشرية وتشخيص الداء الإنساني اللعين…
ولا شك في أن أهمية رواية “L’inconnue” تكمن في الأسئلة الإنسانية والاجتماعية العميقة التي تثيرها من خلال تركيزها على معاناة الأطفال اللقطاء، وهي المعاناة التي يختصر فظاعتها ببساطة ذلك النعت الذي تطلقه شخصية “فرح” على نفسها في إحدى خواطرها حين تقول: ” حتى “بنت سِفاحٍ” مثلها كان لها الحق في أن تسعها رحمة الرحيم”. ولعل هذا الاختيار لموضوع إنساني بالغ الخطورة وصياغته بمهارة في مصائر ذوات فردية هو ما منح القصة عنصرها الروائي الجيد: أعني صراع شعر قلب الشخصية المُزهر مع نثر الواقع الشرير والمتشظي.
ومن المعلوم عند أهل العلم بتاريخ الرواية أن نهاية هذا الصراع الروائي لا تخلو من مصيرين اثنين للبطل: إما الفشل والانهزام أمام الواقع الذي ينتهي بانتحار البطل، مثل شخصيات إيمّا بوفاري (فلوبير)، وأنا كرنينا (تولستوي)، وراسكولنيكوف (دوستويوفسكي)… وإما التصالح مع الواقع، والاندماج فيه بفعالية وقوة، مثل شخصية فلهلم ميستر(كوته)، وفردريك مورو بطل رواية التربية العاطفية (فلوبير)…
ويندرج الصراع الروائي لرواية “L’inconnue” في هذا النوع الثاني المتفائل الذي لا تستسلم فيه البطلتان (ليلى، وفرح) لبطش العالم الخارجي، بل يلتقي مصيرهما وعناقهما وفيض دموعهما لتندمجا معا في العالم الشرير بإرادة ووعي، وعدم اكتراث أحيانا، قصد علاجه وتغييره؛ ومعنى كل هذا أننا أمام ما يسمى في أدبيات الرواية العالمية برواية التعلُّم (Roman d’apprentissage): الرواية التي ينضج فيها وعي البطل تدريجيا على جمر صراع عميق لسريرته الباطنية الحميمة مع مخالب الواقع الخارجي؛ ولذلك فهي رواية تصلح أكثر من غيرها لتُدَرَّس ضمن منهاجنا التعليمي الثانوي الإعدادي أو التأهيلي، نظرا لما يمكن أن يجنيه أبناؤنا منها من ثمار أهمها: قوة اكتساب الشخصية النفسية والأخلاقية والعلمية، وتحدي الصعوبات المادية والنفسية، ناهيك عن فوائدها العلمية والطبية واللغوية ورشاقة أسلوبها الأدبي الفرنسي..

ممكن تنزيل الرواية مترجمة إلى العربية ب pdf
هو موضوع غربي فرنسي يندرج ضمن حقوق الأقليات علمانيا.. فالعلمانية لا تحسم ولكنها تكرر وتدفع بالظاهرة لكي تتقوى.. إنه موضوع إنساني سيكولوجي، وعلى أخلاقيات التربية أن تحفز على شرعنة العلاقات الجنسية الحرة لأنها هي الذنبة، وذلك حتى يقل الضحايا