القراءة المغلوطة للتجربة النبوية والفشل في إقامة الدولة

الوطن24/ بقلم: ذ. نورالدين الحاتمي

نورالدين الحاتمي
نورالدين الحاتمي

يعتبر الاسلاميون الدولة من أصول الإسلام ومن أركانه . طبعا إنهم لا يقصدون أنها ركن بمعنى أنها في منزلة الأركان الخمسة التي ورد ذكرها في الحديث، والاتهام الذي وُجّه إليهم من قبل خصومهم “السلفية” لا أساس له ولا سند، وربما حتى عندما قال القائل أنها من أصول الإسلام وليست من فروعه وفقهياته، لم يكن يشير إلا إلى ضرورتها في الإسلام، و محوريتها في تفكير مثقفيه ومفكريه المعاصرين، الذين لا يتوسلون للتعبير عن قضاياهم وإشكالاتهم العصرية بلغة الأصوليين والفقهاء القدماء.

على أي، فالدولة في الخطاب الإسلامي المعاصر تحتل مكانة خاصة، وهوـ أي الخطاب ـ يضعها في هذه المكانة لتأثره بالفكر والفلسفة الغربيين أولا، ولأن الإسلاميين ـ في الجملةـ يدعون إلى الله و وغايتهم الوصول إلى السلطة والهيمنة على الدولة، أي الحصول على الغنائم، وهذه ملاحظة العديد من الباحثين والمفكرين ، وإلا فإن الدولة في الإسلام هي ضرورة عقلية وليست شرعية، بمعنى أنها تستمد ضرورتها من الأدوار التي توكل إليها والمهام التي تنهض بها ، إذ هي المبدأ العقلاني الذي يترجم تطلعات المسلمين وأحلامهم، وهي الكيان الذي ينتظمون فيه و يمضي فيهم شريعة الإسلام، ويعيد “صناعتهم” وصياغتهم وفق رؤيته وتصوره.

وقد ناضل الإسلاميون في سبيل إقامتها مدة قرن تقريبا، واهتموا بها كما لم يهتموا بغيرها ـ إذ هي التي تُتّوج مشروعهم حتى وهم يقدمون بشأنها تصورا مشوها يجعل منها أداة للقطع وللجلد والرجم والقتل وكأن الغاية من تطبيق الشريعة هي تحويل المجتمع إلى مجتمع للمبتورين والمعطوبين و…  ـ  وقدموا عددا من التصورات والأطروحات حول إقامتها: فذهبت جماعات “الإسلام السياسي” إلى أن السبيل إليها هو الاستحقاقات الانتخابية وصناديق الإقتراع، بعد السيطرة على الشارع ـ طبعا ـ والإمساك به (ونفتح هنا قوسا للقول ان جماعة الإخوان نفسها لم تكن تنبذ العنف أو اللجوء إليه مبدئيا وإنما كانت تراه من باب أخر الدواء الكي]. وذهبت جماعات “السلفية الجهادية” إلى أن الحل الشرعي الوحيد والأوحد لإقامة الدولة هو الجهاد كعنف ثوري وكفاح مسلح( ونفتح قوسا للقول ان هذه الجماعات لا ترى إلا هذا الحل وترى الخيار الديمقراطي ـ كنموذج ـ خيارا كفريا شركيا طاغوتيا] وهي هنا لا تختلف عن التنظيمات الجهادية التي سبقتها إلا في أن هذه الأخيرة تعتبر الأولى بالقتال هو “العدو الأقرب” أي الأنظمة القطرية، في حين أن الأولى ترى أن الأولى بالقتال هو “العدو الأبعد” أي الغرب. أما التيار “السلفي التقليدي” فإننا نسكت عنه، لأنه لا مشروع له ولا رؤية له لإقامة هذه الدولة، فهو يعتبر الأنظمة شرعية والحكام ولاة أمر، طاعتهم واجبة في غير معصية، ويفرقون بين “المبتدع” و”السني السلفي” باعتبارهم “السلفي السني” هو ذلك الذي يدعو لولاة الأمر ويوقرهم ويحبهم، بينما “المبتدع” الضال هو الذي لا يرى ذلك، وهم أبدا مشغولون بتعليم الناس “العقيدة السلفية الصحيحة” والتي هي عند التحقيق ليست لا “سلفية” ولا صحيحة بالضرورة.

 أقول لقد ناضلوا في سبيل إقامتها وبذلوا في سبيلها الأرواح والمهج ، ولكنهم فشلوا في إقامتها وعجزوا، وهذا ما يجعل سؤال هذا الفشل وهذا الإخفاق سؤالا مبررا ومشروعا، فلماذا فشلوا إذن ؟ يعتقد الإسلاميون أن أمر إقامة الدولة ممكن، إذا اهتدوا في سبيلها بأسلوب السلف وساروا على نهجه، ويقيسون حاضرهم على الغائب الذي ليس هو إلا الماضي العربي الإسلامي “المجيد” كما لاحظ الجابري،  فيرون أن نجاح النبي محمد “ص” في إقامة دولته في الماضي، يجعل أمر إقامتها اليوم أمرا ممكنا، وما عليهم إلا أن يفعلوا ما فعل النبي ـ ص ـ و أن يأخذوا بالأسباب التي أخذ بها. وبما أن محمدا” ص” عرض دعوته على الناس فأمن به بعضهم وكفر غيرهم وهاجر هو ومن أمن معه إلى المدينة فوضع لبنة بناء دولته لتشتد وتمتد بعد ذلك بفضل الجهاد والفتوحات، وهذا ما حمل “المعلم” سيد قطب أن الدولة الإسلامية تتشكل بإيمان أحد من الناس بفكرة الإسلام ومبدئه ودعوته غيره إليه حتى تتسع الدائرة فيلفت المجتمع الجاهلي ويعلن عليه الحرب فيتدخل القدر الإلهي فيمكن للإسلام وينصره على “الجاهلية”.

 ومع أن هذا المنطق سليم من الناحية الشكلية، إلا أن الخلل كامن في قصور و سوء قراءة أصحابه للتجربة النبوية في “تاريخيتها “، إنهم  لا يقرأون تجربة “السلف الصالح” والتجربة النبوية ـ على الخصوص ـ القراءة السليمة المسعفة في تحقيق ذلك المشروع، إنهم لا ينتبهون إلى أن محمدا وصحبه لم يواجهوا قوة كاسحة ـ كما يواجه المسلمون والعرب اليوم ـ ولم يذكر التاريخ أن الروم أو الفرس تدخلوا لإجهاض المشروع النبوي وإحباط مجهوده لإقامة دولته، ولذلك يسكتون تماما عن موقف الغرب منهم ومن إرادتهم في نهضتهم ولا يطرحون مشكلة الغرب كعائق خطير وحاسم لهذه النهضة المنشودة، والأدبيات التي خلفتها العقلية الإسلامية، التي تتضمن تنظيرا للمشروع، لا تتناول هذا التحدي ولا تشير إليه حتى. وهذا ما لاحظه محمد عابد الجابري في كتابه “الخطاب العربي المعاصر” أثناء قراءته وتحليله للخطاب النهضوي العربي بكل تياراته، وقد انتبه إلى أن الدولة النبوية التي نجحت في التاريخ، إنما نجحت لأنها لم تصطدم بالقوى الكبرى في ذلك العصر: الفرس والروم ربما لانشغالهما عنها بالصراعات والمشاكل الداخلية. والحق أن التاريخ لا يشير إلى أي تدخل خارجي قامت به  إحدى القوتين ضد الدولة النبوية أثناء تأسيسها وبنائها. و هذا تماما ما حدث مع الغرب، فقد تمكن من بناء قوته وتحقيق نهضته في غياب أي تحد خارجي، حيث كان العالم الإسلامي مشغولا بهمومه ومشاكله وصراعاته الداخلية ولم يكن معنيا إلا بها، بل كان غائبا تماما عن ما يجري بقربه وبقرب ساحته.

واليوم الذي يخنق العالم العربي والإسلامي ويستبد به وبقراراته المصيرية هو الغرب، وهو الذي يمسك بتلابيب هذا العالم الممتد والكبير ويحكم قبضته عليه ولا يفلته أبدا، وهو الذي يجهض كل محاولات هذا العالم للنهوض ويقبرها، والعائق الذي يشكله الغرب أكبر بكثير  من العوائق الذاتية التي يعترف بها العرب والمسلمون. لا شك أن العرب متخلفون لعوامل فيهم ومنهم ولكن العامل الذي يتمثل في الغرب أشد وأقسى. والمقارنة بينها مقارنة لا معنى لها.

صحيح أن المثقفين الإسلاميين كانوا يُنّظرون وأعينهم على الغرب، ينتظرون فشله ليحل الإسلام محله كبديل له.  ولكن نظرتهم كانت قاصرة وعاجزة وناقصة حيث أنهم كانوا ينتظرون سقوط الغرب وانهياره ليس بمعاولهم، فهذا أمر دونه خرط القتاد، ودونه مفاوز، ولكنهم يأملون هذا السقوط وينتظرونه أن يقع من الغرب نفسه، بفعل عوامل داخلية وبفعل تناقضات تنشأ عن الحضارة الغربية ذاتها، كما تقول الكتابات الفلسفية الغربية نفسها والكتابات الألمانية على الخصوص، ويلاحظ “برنار لويس” في كتابه” أزمة الإسلام” تعلق وإعجاب القراء العرب والإسلاميين بهذه الفلسفة التي تمارس نقدا حادا للحضارة الغربية وتتنبأ بقرب نهايتها و انهيارها. إنها تعجبهم لأنهم يرون فيها على صعيد الحلم ـ وليس على صعيد الواقع ـما يجعل رؤيتهم تأخذ معناها.

  إن التأمل في الواقع بهذه الرؤية وبهذا المنظار، يجعل المشروع الإسلامي ـ وكما تشرحه الكتابات والأدبيات الإسلامية ـ في حكم المستحيل وضربا من العبث، وربما كان الإسلاميون واعين بهذا الأمر، ولكنهم يمتنعون عن طرح سؤاله ويسكتون عن تقديم الجواب عنه خشية أن يفقدوا ” وظيفتهم” و أن يخسروا مصالحهم.

قد يقول أحد  أن “جماعة القاعدة” فتحت النار على الغرب ودخلت معه في مواجهة مفتوحة و وضعته  في المعادلة الصعبة وهذا يعني أن هذا التيار أصبح واعيا بدور الغرب في الحيلولة دون تأسيس الدولة الإسلامية والمضي في طريق بناء النهضة،  ولكن جماعة “القاعدة” لم تتصرف ـ في بدايتها على الأقل ـ إلا باعتبارها حركة مقاومة ضد الولايات المتحدة التي احتلت” بلاد الحرمين” واستولت على ثرواتها ومقدراتها. وعندما وسعت رؤيتها لتشمل الغرب ـ ككل ـ رفضت كثير من الحركات والتنظيمات مغامرتها واتخذت منها موقفا منددا، لأنها لم تكن ترى في الغرب عدوها وهو الذي يحمي ظهرها ويتحول إلى قواعدها الخلفية التي تفر إليها. قبل أن يظهر أن الجماعات الإسلامية ـ وحتى الجهادية منهاـ ليست إلا “أدوات ” يتوسل بها الغرب في تدمير الدول وتقويض بناها، و هناك عدد من التقارير والكتب الغربية تشرح هذا الأمر وتبينه. إن التيارات الإسلامية بكل عناوينها وراياتها ليست لها رؤية واضحة حول مشروع إقامة الدولة وليست لها تصورات محددة لهذا المشروع، وموقفها من الغرب كعدو يعيق تحقيقها لنهضتها، ويتدخل للحيلولة دون إقامة دولتها موقف ضبابي وملتبس. وأحسب أنه الأوان كي يقلع هؤلاء عن التعبئة بهذا الشعار: “الدولة الإسلامية”  الذي لا يعد يعني شيئا للناس. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *