المغرب: حين تغيب الجدية السياسية عن رقابة المال العام
فتور البرلمان أمام تقارير المحاسبة يثير أسئلة الحكامة والمساءلة

الوطن24/ الرباط
أعاد المشهد الذي طبع الجلسة البرلمانية الأخيرة المخصصة لمناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى الواجهة نقاشاً قديماً ومتجدداً حول مدى جدية المؤسسة التشريعية في المغرب في ممارسة دورها الرقابي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا المال العام والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالجلسة التي كان يفترض أن تشكل لحظة سياسية ودستورية قوية داخل مجلس النواب، بالنظر إلى أهمية التقارير التي يقدمها المجلس الأعلى للحسابات، تحولت إلى مشهد أثار الكثير من علامات الاستفهام، بعدما بدا الحضور البرلماني والحكومي محدوداً مقارنة بحجم الملفات والقضايا التي تناولها التقرير.
وفي الوقت الذي قدمت فيه زينب العدوي خلاصات المؤسسة الرقابية بشأن تدبير المالية العمومية وتقييم أداء عدد من القطاعات والمؤسسات، عكست المقاعد الفارغة داخل القاعة صورة مقلقة حول مستوى التفاعل السياسي مع واحدة من أهم آليات الرقابة الدستورية في المغرب.
الرقابة الدستورية بين النص والممارسة
يشكل المجلس الأعلى للحسابات أحد أبرز المؤسسات الدستورية المكلفة بمراقبة صرف المال العام وتتبع نجاعة التدبير العمومي، كما تمثل تقاريره السنوية مناسبة سياسية مهمة لتقييم أداء القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه التقارير لا ترتبط فقط بما تتضمنه من معطيات وملاحظات تقنية، بل أساساً بمدى تفاعل البرلمان والحكومة معها، وتحويل خلاصاتها إلى نقاش سياسي وإجراءات عملية تعزز الشفافية وتحسن الحكامة.
لكن ما حدث خلال الجلسة الأخيرة كشف عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعارات المحاسبة والشفافية، وبين الممارسة السياسية داخل المؤسسة التشريعية. فضعف الحضور البرلماني والحكومي خلال مناقشة تقرير يتعلق مباشرة بتدبير المال العام، يعكس أزمة اهتمام حقيقية بالوظيفة الرقابية للبرلمان.
البرلمان المغربي أمام اختبار المصداقية
في التجارب الديمقراطية، تعتبر جلسات مناقشة تقارير مؤسسات الرقابة من أبرز لحظات المساءلة السياسية، لأنها تضع الحكومة والفاعلين العموميين أمام تقييم مؤسساتي مستقل، وتمنح النواب فرصة لمساءلة السياسات العمومية ومراقبة تدبير الموارد المالية للدولة.
غير أن المشهد الذي عرفه البرلمان المغربي أعاد طرح سؤال فعالية الرقابة البرلمانية، خاصة في ظل تكرار ظاهرة الغياب خلال جلسات ذات طابع استراتيجي ودستوري.
فالأمر لم يعد يتعلق فقط بعدد النواب الحاضرين، بل بما يعكسه ذلك من ضعف في التفاعل السياسي مع قضايا ترتبط مباشرة بثقة المواطنين في المؤسسات. كما أن انشغال بعض البرلمانيين بأحاديث جانبية أو الهواتف المحمولة خلال مناقشة تقرير رقابي بهذا الحجم، يقدم صورة سلبية عن مستوى الانضباط والاهتمام داخل المؤسسة التشريعية.
أزمة ثقة وصور سلبية أمام الرأي العام
تأتي هذه التطورات في سياق يتزايد فيه النقاش داخل المغرب حول الحكامة الجيدة ونجاعة السياسات العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مبادئ نص عليها الدستور المغربي باعتبارها من ركائز تدبير الشأن العام.
غير أن ضعف التفاعل مع تقارير الرقابة يهدد بتعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، خصوصاً عندما يشعر الرأي العام بأن قضايا المال العام لا تحظى بالاهتمام الكافي داخل البرلمان.
فالرقابة البرلمانية ليست مجرد إجراء شكلي أو محطة بروتوكولية، بل تمثل أحد أعمدة التوازن المؤسساتي، وأداة أساسية لضمان الشفافية وحماية المال العام.
ما بعد الجلسة.. أسئلة مفتوحة
المشهد الذي رافق مناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات بالمغرب يطرح أسئلة تتجاوز واقعة الغياب في حد ذاتها، إلى طبيعة العلاقة بين المؤسسات الرقابية والفاعل السياسي، ومدى استعداد النخبة البرلمانية لتحمل مسؤوليتها في تفعيل مبدأ المحاسبة.
كما يفتح النقاش حول الحاجة إلى إعادة الاعتبار للدور الرقابي للبرلمان، ليس فقط عبر الإجراءات التنظيمية المرتبطة بالحضور، ولكن أيضاً من خلال ترسيخ ثقافة سياسية تجعل من مراقبة المال العام أولوية حقيقية داخل العمل التشريعي.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى مؤسسات قوية وفعالة، قادرة على تحويل تقارير الرقابة إلى آليات للإصلاح وتحسين الأداء العمومي، بدل أن تبقى مجرد وثائق تناقش داخل قاعات شبه فارغة.
