القطعيات في المعرفة والسياسة والمواقف الرخوة.

عن سر التردي العلمي والخلقي عندنا.

الوطن24/بقلم: محمد عبد النور* 

منطقيا التقدّم في السير يقتضي القطع، قطع المسافة، وقطع المسافة تجاوز المكان ضمن الزمان، والسير الطويل لابد له من نقطة وصول ابتدائية، هي مرحلة أولى، ثم تأتي من بعد ذلك مراحل أخرى، و الوصول إلى كل واحدة منها تتطلب طي سابقاتها، وهذا الطي والسير المرحلي ينطوي على مكسبين:

أولا: أنه بناء ضروري، إذ تستحيل المرحلة التالية دون قطع المرحلة السابقة..
ثانيا: أنه حتمية منطقية، إذ وبعد القطع تصبح العودة إلى المراحل السابقة التي تم قطعها نكوصا وتراجعا..

وهكذا الأمر في المعرفة والسياسة، بناء متدرج ومعقّد من المعارف المترابطة بعضها على بعض، إلى ما لا نهاية له، لكن الشبهة التي سيطرحها المبتدئ -في العلم أو السياسة- أليس التقدم في العلم الصحيح يقوم على الشك والبحث المستمر في المعارف السابقة؟ وأليست السياسة الرشيدة تقوم على الحوار وتعددية الآراء؟

أولا الشك في المعرفة العلمية، لا يكون شكا فيما تقدم عليه من معارف، وقد قدمنا أنه أصبح من “البناء الضروي” و “الحتمية المنطقية” التي لا نكوص عنها، فقد أصبحت من القطعيات، إنما الشك يكون في التصورات الذاتية عن موضوع الدراسة والبحث أساسا، وأما الشك في المعارف العلمية السابقة في الموضوع فالغرض منه الإضافة أو الزيادة والتقدّم، فليس الهدف من تفكيك المعارف العلمية إعادتها إلى نقطة الصفر إنما البناء على ما ثبت من قطعيات مثل قطعيات المنطق والرياضيات التي لا يناقشها أحد إلا إذا عزم على الخروج من المعرفة العلمية لذاتها إلى فن آخر من الفنون.. أما أن يحاول مناقشة القطعيات أو حتى يقبل بمناقشتها مع الادعاء أنه ما زال في دائرة العلم فتلك خيانة للعلم.

إن أي عالم حق، يبدع في اختصاصه، والابداع في جوهره إضافات تقدّم تصبح معلومة بعد أن كانت مجهولة، أو إضاءات تنير تضيء بعد ظلمة، فالعلمية الحقة هي تضافر للمعاني لا يمكن أن يحصله القائل بالشك المطلق في كل أساس للعلم والاختصاص أو موضوع البحث المدروس، لأن من اعتقد ذلك فلا يستطيع أن إلا أن يستحضر بضع معان يحوم حولها بلا بوصلة مهما سمت بلاغته وتعاظمت تقعراته، لأن الحل لغير المتبني والمدرك لقطعيات العلم لا يكون غير التقعر واللعب بالألفاظ بلا بناء مرصوص من المعاني هو السبيل الوحيدة لتحقيق الرأب بين النمو المعرفي الشخصي والنمو المعرفي الكوني.

ثانيا الحوار في الحياة السياسية، لا يكون حوارا في الأساس الذي يقيم النظام العام، ذلك أن إقامة النظام في حد ذاته، الذي يعبر عنه معطى الدولة اليوم، لم يقم/ ولن يقوم من دون بناء من الأساسيات التي تقيم البناء الاجتماعي والسلطة المديرة لشأنه، لذلك فالحوار يكون إما لتقوية تلك الأسس أو ما يحافظ عليها، ولا يكون تشكيكا فيها أو عملا على هدمها بوعي أو بغير وعي، وهو ما لا يفعله إلى خائن للجماعة يسعى لإفقادها النظام وحماية النظام والسيادة عليه.

إن أي سياسي حق، ملتزم في سلوكاته، والالتزام هو إما حفظ النظام أو تقويته، فلا يكون الحوار وتعدد الآراء إلا في اتجاه التحقق الأمثل لذلك النظام إصلاحا لخلل أو تغيير لفساد، فالسياسة الحقة هي تسخير للجهود والكفاءات في سبيل تعضيد النظام -كحالة تساند اجتماعي- وبناء السيادة على النظام، فلا يمكن أن يكون سياسيا من يسعى لهدم مكاسب السياسة وأولها النظام والعمل لتعميم الرفاه أو توفير البدائل، فمن اعتقد بأن السياسة هي تفكيك النظام من دون توفير البدائل، فإنه يسعى لهدم الأمن الاجتماعي بلا أي جهد محقق للإصلاح، ولن يكون إلا ساع لتحقيق أهواء ذاتية مقطوعة التزام حفظ النظام العام، بحيث ينقطع حبل التفكير بين الأهواء الذاتية ومصالح الجماعة، فيعمي الهوى الذاتي عن مصالح الجماعة.

والمحصّلة أن أصل غياب الوازع العلمي هو بعد الهوة بين النمو العلمي الشخصي ومكاسب الجماعة العلمية الكونية، فتغدو كل أفعال العالم الذي أدرك بعده عن تحصيل ذروة المعارف -وأساستها التي تتطلب جهد السنين- التعويض عن كدح الغوص في محيط المعرفة الإنسانية، إلى محاكاة المحيط بمسبح يصنع فيه مفهوماته التي يلوكها بلا طائل نظري، وأصل غياب الوازع السياسي هو بعد الهوة بين نمو السلوك الشخصي ومكاسب الجماعة السياسية، فتغدو كل أفعال السياسي الذي فقد كل أمل في بناء الذات لتصل إلى تقدير المعطى المحصّل -وما تتطلبه من جهد السنين- التعويض عن كدح العوم في محيط الرشادة الإنسانية، إلى محاكاة العوم في مسبح يضع فيه أخلاقياته التي ينفذها بلا طائل عملي.

ختاما، لعل علّة علل التردي العلمي والسياسي، الذي أنتج كائنات علمية وسياسية رخوة تضع أي قطعية من القطعيات في المزاد، أحيانا بدافع الشك العلمي وأحيانا بدافع الحرية السياسية، يعود إلى عدم فهم أساسي، هو الغفلة عن كونية المسألتين العلمية والسياسية، والغرق في أوهام الخصوصيات، وكأنها مسائل مبنية على النمطيات المحلية والأذواق الشخصية، عدم الفهم هذا الذي أدى إلى التقاعس والإخلاد عن أي بناء للذات علميا كان أو خلقيا.. بحيث يستهدف البناء الارتفاع بالذات إلى مستوى الكونية التي هي استعادة للفطرة -أو معاني الإنسانية السوية- عند قلب المعنى.. والله الهادي والموفق.

*أستاذ علم الإجتماع 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *