أوجدو يكتب : قراءة نقدية أنثروبولوجية – سوسيولوجية في توثيق مئوية ثانوية موسى بن نصير بالخميسات..

الوطن 24 / بقلم جمال اوجدو
في رحاب قاعة المحاضرات بثانوية موسى بن نصير، وفي إطار الاحتفاء بمرور مائة سنة على تأسيس هذه المعلمة التربوية، حضرتُ بدعوة من الأستاذ بايشيت محمد، الذي يُعد من حاملي الذاكرة الثقافية والتربوية داخل المؤسسة. وقد قدّم عرضًا بعنوان: “الأنشطة الثقافية والرياضية بثانوية موسى بن نصير (1926–1987)”، سعى من خلاله إلى إعادة تركيب المسار التاريخي للأنشطة داخل المؤسسة وفق تسلسل زمني يمتد من مرحلة التأسيس إلى مرحلة ما بعد الاستقلال.
غير أن هذا المسعى التوثيقي يصطدم بإشكال إبستمولوجي ومنهجي يتمثل في غياب أرشيف مؤسساتي منتظم، وهو ما أشار إليه أيضًا مسيّر اللقاء الدكتور مولود عشاق، مؤكّدًا أن جزءًا من الذاكرة الوثائقية للمؤسسة قد تلاشى أو هاجر مع الإدارة الاستعمارية عقب الاستقلال. وفي هذا السياق، تصبح الذاكرة الشفوية—بتعبير موريس هالبفاكس (Halbwachs)—إطارًا مرجعيًا لإعادة بناء الماضي، لكنها تظل محدودة ما لم تُدعّم بوثائق وأدلة مادية قابلة للتحقق.
انطلاقًا من ذلك، يبرز تناقض منهجي في الوثيقة التوثيقية للمئوية، خاصة في الصفحتين 8 و9، حيث يُصرّح بعدم العثور على معطيات تخص الأنشطة الثقافية والرياضية خلال فترة معينة، مقابل تقديم أرقام دقيقة حول مسار التلاميذ منذ سنة 1931. هذا التباين يطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة المصدر: هل نحن أمام معطيات مستندة إلى أرشيف غير مُصرّح به، أم إلى إعادة بناء ذاكراتية ذات طابع تقديري؟ وهنا تبرز ضرورة استحضار معايير البحث العلمي التي تشدد على الإحالة المرجعية (référenciation) بوصفها شرطًا أساسيًا للأمانة العلمية، كما يؤكد ذلك كارل بوبر في حديثه عن قابلية التحقق والدحض في المعرفة العلمية.
وعليه، فإن تصنيف هذه الوثيقة يظل معلقًا بين كونها إنتاجًا بحثيًا أو سردًا ذاكراتيًا (narration mémorielle)، خاصة في ظل غياب جهاز إحالي واضح. غير أن هذا النقد لا يستهدف مصادرة الذاكرة الفردية، بل يدعو إلى إدماجها ضمن ما يسميه بول ريكور “جدلية الذاكرة والتاريخ”، حيث لا تكتسب الذاكرة مشروعيتها العلمية إلا من خلال إخضاعها لآليات التمحيص والتوثيق.
في هذا الإطار، يكتسي اقتراح الدكتور بنعيسى أزايط القاضي بإحداث لجنة متخصصة في الأرشفة أهمية قصوى، إذ يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ“مأسسة الذاكرة”، أي نقلها من مستوى التداول الشفهي إلى مستوى التنظيم المؤسسي. وهو ما يتقاطع مع مقاربات علم الأرشيف الحديث (archival science) التي تعتبر الأرشفة شرطًا لإنتاج المعرفة التاريخية.
ومن زاوية سوسيولوجية، كشفت تدخلات الفاعلين عن رهانات الاعتراف الرمزي (reconnaissance symbolique)، خاصة ما يتعلق برد الاعتبار للأطر الزمورية. ويمكن تحليل مثال تسمية مستشفى القنيطرة بـ“الزموري” دون تحديد هويته العلمية، في ضوء مفهوم “العنف الرمزي” عند بيير بورديو، حيث يتم تجريد الفاعل من رأسماله الرمزي (capital symbolique) عبر تغييب صفاته العلمية. كما يمكن مقاربة هذا المعطى أنثروبولوجيًا من خلال نقد فرانز بواس لمركزية الثقافة (ethnocentrism)، التي تميل إلى اختزال الهويات المحلية ضمن تمثلات عامة ومجردة.
أما على مستوى الدلالة الرمزية للمؤسسة، فإن ثانوية موسى بن نصير تمثل فضاءً لإنتاج وإعادة إنتاج الرأسمال الثقافي (capital culturel) بتعبير بورديو، حيث ساهمت في تخريج نخب محلية ووطنية، رغم هشاشة الذاكرة المؤسسية المرتبطة بها. كما أن الإشارة إلى تسميتها السابقة (Lycée) يمكن تحليلها ضمن ما يسميه بورديو أيضًا بـ“الهيمنة الرمزية”، أو ضمن أدبيات ما بعد الاستعمار (postcolonial studies)، التي تبرز استمرار أثر اللغة الاستعمارية في تشكيل الوعي والذاكرة.
ومن منظور أنثروبولوجي ثقافي، يمكن اعتبار المؤسسة فضاءً لـ“الهجنة الثقافية” (hybridity) وفق طرح هومي بابا (Homi Bhabha)، حيث تداخلت فيها أنماط ثقافية متعددة، خاصة خلال فترة حضور الأطر الأوروبية إلى حدود الثمانينيات. هذا التداخل لا يعكس مجرد تعايش، بل إنتاج أشكال جديدة من المعنى والهوية داخل الفضاء المدرسي.
وفي سياق أوسع، فإن استحضار مفهوم الثقافة كما صاغه إدوارد تايلور (Tylor) باعتباره “ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق…”، يسمح بربط المؤسسة بمحيطها الزموري، الذي يتميز بغناه الأمازيغي وتاريخه الفلاحي، حيث يحيل الأصل اللاتيني لكلمة cultura إلى فعل “الاستنبات”، بما يعكس دينامية التراكم الثقافي. ورغم التحولات الإيديولوجية التي عرفها المغرب، فقد حافظت الثقافة الأمازيغية على استمراريتها، ما يجعل المؤسسة جزءًا من هذا الامتداد الثقافي.
ختامًا، تكشف هذه القراءة أن الاحتفاء بمئوية ثانوية موسى بن نصير يتجاوز البعد الاحتفالي إلى كونه لحظة مساءلة معرفية، تطرح ضرورة الانتقال من الذاكرة الشفوية إلى التاريخ المؤسس علميًا. وهو انتقال يقتضي تفعيل أدوات البحث الأكاديمي، من توثيق وأرشفة ونقد للمصادر، بما يضمن كتابة تاريخ مؤسساتي دقيق، ويُسهم في ترسيخ الهوية الثقافية المحلية ضمن أفق وطني أوسع.
