الكان وتمغربيت… حين تحوّل الافتتاح إلى رسالة مغربية للعالم.

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
من موقع الغربة، حيث تتضاعف المسافة بين الجغرافيا والذاكرة، لم يكن حفل افتتاح كأس إفريقيا للأمم بالمغرب مجرد مشهد عابر يُتابَع عبر الشاشات، بل لحظة وجدانية مكثفة أعادت ترتيب المشاعر، وذكّرت بأن الانتماء لا تُضعفه المسافات ولا تُلغيه السنوات. كان الافتتاح هذه المرة مختلفًا؛ لا لأنه متقن تقنيًا فحسب، بل لأنه مشحون بدلالات رمزية جعلت “الكان” يبدو وكأنه يحتضن “تمغربيت” في أبهى تجلياتها.
منذ اللحظات الأولى، بدا أن المغرب لا يقدّم عرضًا فنيًا فقط، بل يروي قصة. قصة بلد اختار أن يتحدث عن نفسه بلغته الخاصة، دون تصنّع أو استنساخ نماذج جاهزة. الإيقاعات، الألوان، الرموز، وحتى الصمت المدروس بين اللوحات، كلها كانت تقول إن هذا الافتتاح ليس موجّهًا للكاميرات فقط، بل للذاكرة الجماعية، وللمغاربة داخل الوطن وخارجه، الذين وجدوا أنفسهم فجأة جزءًا من المشهد.

لكن اللحظة الأكثر كثافة، والأشد وقعًا، كانت لحظة إعطاء الانطلاقة الرسمية للافتتاح والمباراة من طرف الأمير مولاي الحسن. لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل مشهد محمّل بالرمزية، اختصر فكرة الاستمرارية والثقة في المستقبل. حضور ولي العهد في قلب الحدث الرياضي القاري حمل رسالة هادئة لكنها عميقة: المغرب يبني، ويستثمر، ويهيّئ أجياله القادمة لتحمّل المشعل، بنفس الثقة التي يقدّم بها نفسه للعالم.
من الغربة، بدت تلك اللحظة أكبر من ملعب، وأوسع من بطولة. كانت لحظة سيادية بامتياز، تجسّد ارتباط الدولة بالرياضة، لا كترف، بل كاختيار استراتيجي. أن يعطي الأمير مولاي الحسن انطلاقة “الكان” في هذا التوقيت بالذات، هو تأكيد على أن ما يحدث ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة ضمن مسار طويل يقود المغرب نحو أفق 2030 بثبات ورؤية.
أجواء الافتتاح حملت أيضًا بعدًا وجدانيًا خاصًا للمغاربة المقيمين بالخارج. فبين مشاهد الفخر، وعلوّ الراية، وتفاعل الجماهير، شعر كثيرون بأن الوطن اقترب خطوة، وأن “تمغربيت” لم تعد مفهومًا نظريًا، بل صورة حيّة تُعرض أمام العالم بثقة وهدوء. لقد نجح الافتتاح في تحويل البطولة إلى لحظة استرجاع للذات، وإلى مساحة يلتقي فيها الفردي بالجماعي، والحنين بالفعل.

لم يكن هذا الافتتاح استعراض قوة فقط، بل استعراض هوية. مغرب متجذر في تاريخه، منفتح على محيطه الإفريقي، وواثق في شبابه ومؤسساته. مغرب يعرف أن الصورة اليوم جزء من المعركة الرمزية، وأن الرياضة صارت لغة دبلوماسية بامتياز. لذلك جاء الافتتاح محمّلًا برسائل تتجاوز 90 دقيقة، وتخاطب العالم بلغة ناعمة لكنها حازمة.
هكذا التقت “الكان” بـ“تمغربيت” في لحظة واحدة: لحظة فخر، ولحظة انتماء، ولحظة تأكيد على أن المغرب، وهو يفتح أبوابه لإفريقيا، إنما يفعل ذلك من موقع القوة الهادئة، والرؤية الواضحة، والإيمان بأن المستقبل يُبنى بالصورة بقدر ما يُبنى بالفعل.
