الكان وتمغربيت: حين تصنع القلوب الفارق قبل الأقدام

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
يعرف عشّاق كرة القدم، قبل المحللين والتقنيين، أن اللعبة ليست مجرد خطط وتمركزات وأرقام، بل هي قبل كل شيء شغف يسكن القلوب، وعشق إذا حضر حضرت معه الفرجة وغاب معه كل تبرير للبرود والرتابة. في البطولات القارية الكبرى، وعلى رأسها كأس أمم إفريقيا، لا تُحسم المباريات فقط بما هو تكتيكي، بل بما هو نفسي وذهني، حيث تكون الروح القتالية هي الحكم الخفي في تحديد من يتقدم ومن يتراجع.
العامل النفسي يظل حجر الزاوية في كرة القدم الحديثة، لأنه المحدد الحقيقي للحضور الذهني والبدني داخل رقعة الملعب. لاعب يدخل المواجهة بقلب نابض بالعشق للعبة، وبإحساس داخلي بالمسؤولية تجاه القميص والجمهور، هو لاعب قادر على تجاوز الصعاب وصناعة المستحيل. أما حين يغيب هذا الإحساس، فإن الأداء يفقد معناه، وتتحول المباراة إلى مجرد دقائق تُلعب دون روح ولا شراسة.
ومن هنا، لا يأتي تشبيه لاعبي المنتخب بـ“الأسود” من فراغ، بل هو توصيف رمزي لحالة ذهنية قوامها التربص، القوة، والقدرة على قهر الخصم مهما كانت الظروف. فالأسد لا ينتصر فقط بقوته الجسدية، بل بثقته في نفسه وإيمانه بقدرته على الحسم. هذه الروح، عندما تتجسد داخل الملعب، تصنع الفارق بين منتخب ينافس ومنتخب يكتفي بالحضور الشكلي.
في مباريات المنتخب المغربي خلال هذه النسخة من “الكان”، بدا هذا المعطى جلياً. ففي مواجهة مالي، غابت الروح التي تصنع التنافسية، فكان الأداء باهتاً والنتيجة مخيبة للآمال. لم يكن الخلل في الإمكانيات ولا في الأسماء، بل في غياب ذلك العشق الجماعي الذي يوحّد اللاعبين ويشعل شرارة القتالية داخلهم. ففقد الفريق توازنه، ومالت الكفة لصالح خصم كان أكثر شراسة وحضوراً.
لكن كرة القدم، كما هي قاسية، عادلة أيضاً. ففي مباراة زامبيا، بدا أن “أسود الأطلس” قد استوعبوا الدرس جيداً. عادت الروح القتالية، وامتلأت القلوب بالعشق المشترك، ووجد اللاعبون في المدرجات صوتاً يساندهم لا يضغط عليهم. فكانت النتيجة أداءً ممتعاً، فرجة حقيقية، وأهداف أعادت الثقة للجماهير وأكدت أن هذا المنتخب، حين يلعب بقلبه قبل قدميه، يصعب إيقافه.
خلاصة القول، إن التنافسية القارية لا تُصنع فقط في مكاتب التحليل ولا في حصص التدريب، بل تُولد حين تتلاقى “التمغربيت” مع الشغف، وحين يتحول القميص الوطني من مجرد زي رياضي إلى مسؤولية وجدانية. عندها فقط، تصبح الفرجة نتيجة طبيعية، ويصنع المنتخب الفارق حيث تعجز الحسابات الباردة عن التفسير.
