المال والسلطة في المغرب: هل يُختبر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في ملف رئيس الحكومة؟

الوطن24/ خاص

سؤال يتجاوز الأشخاص إلى منطق الدولة
منذ إقرار دستور 2011، يقدّم المغرب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة كأحد ركائز الإصلاح السياسي وبناء دولة المؤسسات. غير أن هذا المبدأ يظل، في نظر فاعلين ومراقبين، محل اختبار حقيقي كلما تعلق الأمر بمسؤولين كبار يجمعون بين القرار السياسي والنفوذ الاقتصادي. ويبرز في هذا السياق اسم رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ليس باعتباره حالة معزولة، بل كنموذج يثير نقاشاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة.

هذا التحقيق لا ينطلق من فرضية الإدانة، بل من حق الرأي العام في التساؤل، ومن واجب المؤسسات في توضيح الوقائع، خاصة في ظل ظرفية اجتماعية واقتصادية دقيقة يعيشها المغرب.

رجل أعمال في قمة السلطة التنفيذية
يُعد عزيز أخنوش من أبرز رجال الأعمال في المغرب قبل دخوله العمل السياسي، وهو معطى لا يخالفه أحد ولا يجرّمه القانون في حد ذاته. غير أن الإشكال، بحسب متابعين، يطرح نفسه بعد توليه رئاسة الحكومة: هل تم تحييد مصالحه الاقتصادية بشكل كامل عن القرار العمومي؟ وهل فُعّلت آليات قانونية ومؤسساتية كافية لمنع أي وضعية محتملة لتعارض المصالح؟

القانون المغربي يفرض التصريح بالممتلكات ويشدد على النزاهة والشفافية، لكن خبراء في الحكامة يعتبرون أن التصريح، رغم أهميته، لا يكفي وحده في حالات تتطلب افتحاصاً معمقاً لمسار الثروة وعلاقتها بالسياسات العمومية.

المحروقات وغلاء المعيشة: ملف حساس
يمثل قطاع المحروقات أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في المغرب، خصوصاً بعد تحرير الأسعار. فبينما ارتفعت كلفة المعيشة بشكل كبير، سُجلت أرباح مهمة لدى فاعلين كبار في السوق، ما غذّى شعوراً واسعاً بالاحتقان الاجتماعي. هنا يبرز سؤال مركزي: هل قامت الحكومة بكل ما يلزم لحماية القدرة الشرائية؟ أم أن اختياراتها انحازت لمنطق السوق على حساب التدخل التنظيمي؟

غياب تسقيف الأسعار وضعف التواصل حول هوامش الربح وآليات المراقبة زادا من حدة الشكوك. ويتساءل مراقبون: هل يمكن تبديد هذه الشكوك دون نشر معطيات رسمية دقيقة تشرح العلاقة بين القرار العمومي ومصالح الفاعلين الاقتصاديين؟

تعارض المصالح: نصوص حاضرة وتفعيل متعثر
ينص الدستور المغربي والقوانين التنظيمية على منع تعارض المصالح وصون المال العام. غير أن الإشكال، وفق فاعلين مدنيين، لا يكمن في النصوص بل في تفعيلها. فإلى اليوم، لم يُعلن عن فتح تحقيق مؤسساتي مستقل بخصوص وضعية رئيس الحكومة، رغم الجدل الإعلامي وتساؤلات المجتمع المدني.

ويطرح ذلك أسئلة حول دور البرلمان في المراقبة، وحول سبب غياب لجان لتقصي الحقائق في ملفات تهم الرأي العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسؤولين في قمة الهرم التنفيذي.

الإثراء غير المشروع وانتقائية المحاسبة
الإثراء غير المشروع يظل مفهوماً حاضراً بقوة في الخطاب الرسمي، لكنه محدود الحضور في المتابعات القضائية الكبرى. ويثير هذا الواقع تساؤلات حول مدى المساواة أمام القانون، خصوصاً حين تتم متابعة مسؤولين أو موظفين صغار في قضايا مالية، بينما تظل ملفات أكبر في دائرة الجدل دون حسم مؤسساتي واضح.

ويرى متتبعون للشأن العام أن من الصعب على أي عاقل يمتلك قدراً من الوعي السياسي أن يتقبل تولي رجل أعمال للمسؤولية الحكومية الأولى، في وقت تُثار فيه نقاشات عمومية وقضايا موثقة حول مسار الثروة وصفقات ومشاريع يُقال إنها استفادت من النفوذ السياسي، مقابل متابعة آخرين في قضايا تمس المال العام. هذا التناقض، في نظرهم، يضع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أمام اختبار حقيقي.

ما بعد أخنوش: شبكة نفوذ أم خلل بنيوي؟
يشدد مراقبون على أن النقاش لا يجب أن يُختزل في شخص رئيس الحكومة، بل يتجاوزه إلى منظومة أوسع تضم فاعلين سياسيين واقتصاديين استفادوا، عبر سنوات، من تداخل السلطة بالمال، سواء كانوا وزراء أو رؤساء جماعات أو مديرين ومسؤولين عموميين. فالإشكال، في نظرهم، بنيوي ويتطلب معالجة شاملة لا انتقائية.

وفي ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تبرز دعوات لاسترجاع مليارات الدراهم المهدورة أو المشكوك في مشروعيتها، ليس بدافع تصفية الحسابات السياسية، بل لتمويل السياسات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وإعادة الثقة في المؤسسات.

الشفافية كمدخل لاستعادة الثقة
يرى خبراء في الحكامة أن السبيل الوحيد لحماية صورة الدولة هو اعتماد الشفافية الاستباقية: تمكين هيئات مستقلة من الافتحاص، نشر المعطيات الاقتصادية ذات الصلة، وتفعيل آليات المساءلة دون استثناء. فالديمقراطية، وفق هذا المنطق، لا تُقاس فقط بنتائج الانتخابات، بل بقدرتها على إخضاع الأقوياء للمحاسبة.

خلاصة
يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل ينجح المغرب في تحويل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من شعار دستوري إلى ممارسة فعلية تشمل الجميع؟ أم أن تداخل المال بالسلطة سيظل منطقة رمادية مؤجلة الحسم؟ الجواب عن هذا السؤال لا يهم الداخل المغربي فقط، بل يهم أيضاً صورة دولة تقول إنها اختارت طريق الإصلاح والمؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *