المغرب… أين اختفى المناضلون؟ سؤال يُعيد فتح جرح مرحلة صنعت الوعي وأطفأت جذوته

الوطن 24/ خاص
بداية الوعي… زمن القراءة والانغماس في المعرفة
أذكر في سنوات الثمانينيات بداية الوعي السياسي وتشكل ذهنية المتابع القارىء بنهم والشغوف بالمعرفة حيثما وجدت، عشنا زخما معرفيا لا حدود له، ترافق مع العمل الميداني، كانت الساحة الوطنية تغلي بالأفكار وكان المشهد الحزبي متزاحما والرواج المعرفي الذي يصوغ الوعي والفهم مفتوح على كل الاتجاهات، كان المغرب حينها في حالة بحث وتجريب للإديولوجيات ومحاولات حثيثة لتثبيت مقاربة سياسية مترنحة بين أحزاب وليدة فاقدة للعمق الشعبي وأخرى وطنية ولدت من رحم الجماهير الشعبية في مرحلة ما بعد الاستقلال وبحث السلطة العليا عن نموذج سياسي يخضع للتوجهات العامة والاختيارات الأساسية للدولة المغربية وعلى راسها النظام الملكي بعد هزات من المد والجزر والصراع على السلطة.
أحزاب الجبهة الديمقراطية… شرعية السجون وصوت الجماهير
كانت أحزاب ما يسمى بالجبهة الديمقراطية التي لها امتداد في الاوساط الشعبية وتستمد شرعيتها من نقاء مسيرة مناضليها الذين ذاقوا مرارة السجون في الصراع مع السلطة فيما يعرف بسنوات الرصاص، وعلى راس الأحزاب المناضلة حينها الاتحاد الاشتراكي للقواة الشعبية. كان مدرسة سياسية بامتياز في تلك الحقبة، وكانت جريدة الاتحاد الاشتراكي وريثة المحرر هي الناطق الرسمي باسم الحزب وصوت الجماهير وصوت من لا صوت له، وكان انتشارها واسعا وتحظى بمصداقية منقطعة النظير.
تأثير الفكرة الاشتراكية… ومكانة الصحافة الحزبية
أذكر فيما أذكر، ولم أكن في أي وقت من الأوقات اتحاديا لكني كنت مشبعا بالفكرة الاشتراكية نتيجة الأثر البالغ الذي احدثته مواقف الاتحاديين في وعيي، ونتيجة ذلك الثراء الفكري والمعرفي وتبلور الفهم الناجم عن اختبار الأفكار في علاقتها بالواقع المغربي الذي عرف احداثا كبيرة سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي.
كنت أجد المناضلين الاتحاديين وغيرهم من مناضلي أحزاب الحركة الوطنية الآخرين والمستقلين في الإطار النقابي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل الوجه الآخر للحراك السياسي الجماهيري في صبغته النقابية والمهنية، كان المناضلون السياسيون والنقابيون يتابعون سخونة المشهد الحزبي والسياسي والنقابي عبر الصحف الوطنية الحزبية، كنا نقتني عدد الغد قبل يومه من ساحة السراغنة لشدة لهفنا على تتبع الجديد، كانت الجريدة الاتحادية تشفي غليل المتابعين، وكان عمودها عين العقل، والصفحة الأخيرة وملحقها الثقافي واخبارها السياسية وتحليلها للواقع وتفكيكها للمعرفة العامة ناضجا إلى درجة أنها كانت مرجعا معتمدا في التحليل السياسي.

جيل المناضلين… خليط بين الفكر والميدان
كان الوعي متناميا وكانت أسماء كبيرة تفي بغرض النشر والتعبءة والتوعية ارتبط إسمها بالحراك الشعبي المساند للوعي السياسي والمعبء دوما لأي حركة ميدانية.
حديثنا عن المناضلين والتحول الذي حصل بعد هذه الفترة من تنامي الوعي وتبلور الفهم الذي يجمع بين حركة الفكر وحركة الفعل والحصيلة كانت هي تخريج مناضلين يمتلكون قوة في الفهم وقدرة عالية على الإقناع والنضال الميداني الذي يمزج بين القناعة الفكرية والحركة في الميدان وساحات النضال المتنوعة في الجامعات ومؤسسات التعليم والقطاعات العامة والخاصة ومعامل ومصانع المهنيين والطلبة والتلاميذ وعموم الشعب والجماهير.
استراتيجية السلطة… بين الاحتواء والترويض
وبالموازاة عملت السلطة على واجهتين الاستيعاب والامتصاص والاحتواء والتخويف والتخوين وغيرها من من المتناقضات وكان سعيها ممنهجا وحثيثا ينزع نحو التطبيع والتطويع وصنع البداءل واختبار النماذج والبروفايلات، كان الصراع على أشده وكان الاعتراف متبادل بطبيعة المعركة وشدتها وشراسة المتنافسين والمتصارعين، لكن كانت يد السلطة أقوى وأشد مضاءا وأعمق أثرا قامت على الترويض حينا والقمع أحيانا.
تآكل الحركة الحزبية… وسقوط الرموز التاريخية
الاسماء كثيرة لن أخوض في سردها وهي أكبر من أن تعد وتحصى، ولست بمعرض الحديث عن التفكك الحزبي والنفابي وتجربب الحكم والوصول إلى السلطة وتفريغ الأحزاب التاريخية من أي معنى نضالي وتجريدها من رصيدها التاريخي وتراجع شعبيتها وفقدان مصداقيتها نتيجة الصراع على المواقع المرتبطة بالحكم وما رافق ذلك من دساءس ومؤامرات وتخوين وتهميش واندثار وتدهور واضمحلال.
نهاية الإيديولوجيا… وسقوط جيل بأكمله
عقود من الزمن من الصراع والفعل والفعل المضاد كانت كافية لتطوي مرحلة من عمر نضال كتب له أن يسود ويقود في مرحلة من مراحل تطور المجتمع، وكما في البيولوجيا انتهى عهد الإديولوجيا التي صنعت تلك الأحزاب وولى عصر المناضلين وطوى النسيان الكثيرين منهم وانغمس بعضهم في أحضان السلطة وارتمى بعضهم في المال والأعمال، وتحول آخرون إلى معسكر السلطة ينفذون ما يطلب منهم مقابل امتيازات ومصالح شخصية مهما كانت التنازلات وشكل الانبطاح والهوان الذي مني به كثيرون منهم.
نهايات صغيرة لرجال صنعوا تاريخاً كبيراً
ولما تسمع عن بعض الأسماء عن فلان أو علان فعل كذا أو تآمر أو تناقض أو خان تقول عنه إنه فلان أحد صانعي مرحلة من ناريخ المغرب أنى له أن ينتهي هكذا هذه النهايات الصغيرة.
