فرنسا على صفيح اجتماعي ساخن.. «السترات الصفراء» تستعد للعودة إلى شوارع باريس وإضراب وطني مرتقب في 5 نوفمبر

تستعد فرنسا لأيام جديدة من التعبئة والاحتجاج، في ظل تصاعد المطالب الاجتماعية وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات، بعدما أعلنت تنسيقية حركة «السترات الصفراء» تقديم طلب لتنظيم مظاهرة جديدة في باريس، السبت 24 أكتوبر 2026، تحت شعار «الفصل الثاني» (Acte II)، بالتزامن مع استعداد خمس مركزيات نقابية لتنظيم إضراب وطني ومظاهرات يوم 5 نوفمبر المقبل.

ويأتي هذا التصعيد بعد احتجاجات 17 أكتوبر التي شهدت مشاركة واسعة في عدد من المدن الفرنسية، قبل أن تتخللها أعمال عنف وتخريب ونهب في بعض المواقع، لتعود إلى الواجهة ملفات غلاء المعيشة والقدرة الشرائية وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب الجدل بشأن قدرة السلطات على احتواء الاحتقان الاجتماعي وضمان الأمن.

وبين تحرك «السترات الصفراء» المرتقب في العاصمة، والدعوة النقابية إلى إضراب وطني بعد أقل من أسبوعين، تواجه الحكومة الفرنسية اختباراً جديداً بشأن كيفية التعامل مع مطالب اجتماعية متزايدة، دون السماح بتحول الاحتجاجات إلى مواجهات تهدد الأشخاص والممتلكات.

بحسب ما أوردته وسائل إعلام فرنسية، بينها قناة BFMTV وصحيفة «لو باريزيان»، قدمت تنسيقية حركة «السترات الصفراء» طلباً لدى السلطات المختصة لتنظيم مظاهرة بالعاصمة يوم السبت 24 أكتوبر، تحت شعار «Acte II»، في إشارة إلى مواصلة التحركات التي شهدتها البلاد في 17 أكتوبر.

ووفق المعطيات المتداولة بشأن الطلب، يُرتقب أن يبدأ التجمع ابتداءً من الساعة الثانية عشرة ظهراً، على أن ينطلق المسير في الساعة الثانية والنصف بعد الزوال من ساحة الباستيل، باتجاه ساحة الأوبرا، مع توقع انتهاء المظاهرة في حدود الساعة السادسة مساءً.

ويتضمن المسار المقترح المرور عبر شارع بومارشيه، وشارع فيل دو كالفير، وشارع تومبل، ثم ساحة الجمهورية، قبل مواصلة السير عبر شارعي سان مارتان وسان دوني، وشارع بون نوفيل، وشارع بواسونيير، وشارع مونمارتر، ثم شارع أوسمان وشارع هاليفي، وصولاً إلى ساحة جاك روش وساحة الأوبرا.

غير أن هذه التفاصيل تظل مرتبطة بالمسار الذي اقترحه المنظمون، ولا ينبغي اعتبارها تأكيداً نهائياً لموافقة السلطات على جميع مراحل المظاهرة وتوقيتها. فتنظيم المسيرات في فرنسا يخضع لإجراءات قانونية وتدابير أمنية قد تفضي إلى تعديل المسار أو فرض قيود إذا اقتضت الضرورة.

تستعيد عودة «السترات الصفراء» إلى واجهة الاحتجاجات ذكريات الحركة التي برزت بقوة سنة 2018، حين شكلت القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والضرائب على الوقود محوراً رئيسياً لمطالبها.

واليوم، تعود هذه الملفات إلى النقاش العام في سياق اقتصادي واجتماعي يتسم بارتفاع الضغوط على الأسر، والقلق بشأن الأجور وفرص الشغل، ومخاوف من تراجع جودة الخدمات العامة.

لكن احتجاجات 17 أكتوبر أظهرت أيضاً أن التعبئة الاجتماعية قد تتخذ أشكالاً مختلفة؛ فبين المسيرات السلمية التي يشارك فيها مواطنون للتعبير عن مطالبهم، وأعمال التخريب والنهب التي شهدتها بعض المواقع، تبرز ضرورة التمييز بين الحق في الاحتجاج والمسؤولية عن الأفعال المخالفة للقانون.

ويضع هذا الوضع السلطات الفرنسية أمام معادلة دقيقة: حماية حق التظاهر السلمي من جهة، وتأمين الشوارع والمحال التجارية والمرافق العامة من جهة أخرى، مع تجنب أن تتحول التدابير الأمنية إلى عامل إضافي لتأجيج التوتر.

بالتوازي مع التحركات التي تقودها «السترات الصفراء»، تستعد فرنسا ليوم وطني آخر من التعبئة، الخميس 5 نوفمبر 2026، بعد دعوة خمس مركزيات نقابية هي CFDT وCGT وFO وUNSA وFSU إلى الإضراب والتظاهر دفاعاً عن الأجور والخدمات العامة والتشغيل والصناعة.

وتطالب النقابات بتحسين الأجور والمعاشات، وحماية الوظائف، وتعزيز الموارد المخصصة للمرافق العامة، إلى جانب الاعتراض على التوجهات المالية المرتبطة بمشروعي ميزانية الدولة والضمان الاجتماعي لسنة 2027.

وتستهدف الدعوة العاملين في القطاعين العام والخاص، فضلاً عن المتقاعدين والشباب، في محاولة لتوسيع قاعدة المشاركة وربط المطالب المهنية بالضغوط المعيشية التي تواجه شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي.

ويكتسب هذا التحرك أهمية إضافية بالنظر إلى احتمال تأثر قطاعات النقل والتعليم والخدمات العامة، بحسب حجم المشاركة الفعلية. ومع ذلك، فإن الإعلان عن إضراب وطني لا يعني أن البلاد ستتوقف بالكامل، إذ تختلف انعكاساته من قطاع إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى.

في موازاة التحركات النقابية، برزت دعوات من ناشطين إلى مواصلة الاحتجاجات وتصعيد عمليات التعطيل، من بينها الدعوات المنسوبة إلى بنجامان بال (Benjamin Ball)، الذي ارتبط اسمه بالتعبئة المحيطة باحتجاجات 17 أكتوبر.

وتتحدث هذه الدعوات عن تحركات متواصلة ودعم احتجاجات التلاميذ والطلبة والاستعداد لإضراب أوسع ابتداءً من 5 نوفمبر. غير أن هذه المواقف لا تعني وجود اتفاق بين جميع النقابات والمنظمين على اعتماد استراتيجية واحدة، كما لا تثبت أن جميع القطاعات ستشارك في تعطيل الأنشطة.

والفارق هنا جوهري بين إضراب نقابي معلن له مطالب محددة، ودعوات ناشطين إلى توسيع نطاق الاحتجاج أو تعطيل بعض الأنشطة. فلكل تحرك أهدافه وآليات تنظيمه، ولا يمكن الجزم بحجم تأثيره قبل اتضاح مستوى المشاركة والإجراءات التي ستتخذها السلطات.

تضع المواعيد المرتقبة الحكومة الفرنسية أمام مرحلة دقيقة؛ فمظاهرة 24 أكتوبر تمثل اختباراً قريباً لقدرة السلطات والمنظمين على إدارة التعبئة في العاصمة، بينما يشكل إضراب 5 نوفمبر محطة أخرى لقياس مدى اتساع الاعتراضات على السياسات الاجتماعية والاقتصادية.

ومن المرجح أن يتركز الاهتمام خلال الأيام المقبلة على ثلاثة ملفات رئيسية: حجم المشاركة في مظاهرة باريس، والتدابير الأمنية التي سترافقها، ومدى انخراط القطاعات المهنية في الإضراب الوطني.

أما الحديث عن شلل شامل في فرنسا، فيبقى سابقاً لأوانه ما لم تؤكده مؤشرات المشاركة الفعلية والإعلانات القطاعية. كما أن نجاح أي تحرك في فرض مطالبه لا يرتبط فقط بأعداد المتظاهرين، بل أيضاً بقدرة المنظمين على الحفاظ على وحدة المطالب وفتح قنوات تفاوض مع الحكومة.

الخلاصة: فرنسا أمام محطتين احتجاجيتين متقاربتين زمنياً؛ الأولى يوم 24 أكتوبر مع عودة «السترات الصفراء» إلى شوارع باريس، والثانية يوم 5 نوفمبر مع الإضراب الوطني الذي دعت إليه خمس نقابات. وبين المطالب الاجتماعية والتحديات الأمنية، ستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت هذه التعبئة ستقود إلى مفاوضات وحلول ملموسة، أم ستفتح فصلاً جديداً من التوتر بين الشارع والحكومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *