المغرب: الغرب المنكوب… حين تتحول الكارثة الطبيعية إلى فضيحة سياسية

الوطن24 / خاص
ما تعيشه منطقة الغرب ليس حادثًا عرضيًا ولا غضبًا عابرًا للطبيعة، بل نتيجة مباشرة لفشل سياسي مزمن وتواطؤ تنموي واضح، حوّل واحدة من أغنى مناطق المغرب إلى بؤرة هشاشة قابلة للانفجار مع أول اختبار مناخي.
الفيضانات التي تضرب الغرب اليوم لا تفضح فقط ضعف البنيات التحتية، بل تكشف بالملموس غياب أي رؤية سياسية مسؤولة تجاه المنطقة. عقود من التدبير العبثي، قادتها أسر وشبكات نفوذ تحكمت في الحقل السياسي محليًا، تعاملت مع الغرب كغنيمة انتخابية ومجال للنهب، لا كفضاء للعيش الكريم والاستقرار الاجتماعي.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح لا يحتاج إلى كثير من التحليل: من سمح بالبناء في مجاري الأودية؟ من رخّص للسكن بمحاذاة الوديان دون حماية أو تخطيط؟ من غضّ الطرف عن تمدد عمراني عشوائي معلوم المخاطر؟ وأين ذهبت ميزانيات التأهيل، والدراسات التقنية، ومشاريع الوقاية التي يُعلن عنها مع كل موسم انتخابي ثم تختفي مع أول فيضان؟
ومن تابع خطاب الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان بغرفتيه، بخصوص الفشل الذريع لعدد من المشاريع التنموية التي وُقّعت أمام أنظار جلالة الملك، يدرك حجم ما تعرّضت له منطقة الغرب من استنزاف ممنهج وهدر فاضح للمليارات دون أي أثر ملموس على أرض الواقع. واليوم، يرى المواطنون بأعينهم حقيقة صادمة: بنية تحتية هشة، عاجزة عن مواجهة أبسط المخاطر البيئية، رغم كل ما صُرف باسم التنمية. لقد جاءت هذه الأمطار لتفضح لصوص المال العام، وتضعهم في عنق الزجاجة، مكشوفين أمام مسؤوليتهم المباشرة عن الظلم والتهميش والهشاشة التي تعيشها المنطقة منذ سنوات.
صحيح أن الكوارث الطبيعية لا يمكن منعها، لكن ما يحدث في الغرب هو كارثة سياسية بامتياز. فالدول لا تُحاسَب على الأمطار، بل تُحاسَب على جاهزيتها، وعلى قدرتها في حماية مواطنيها. وفي الغرب، فشلت السياسات العمومية حتى في الحد الأدنى من الوقاية، لأن الإنسان لم يكن في صلب القرار، بل مجرد رقم في معادلة انتخابية باردة.
لقد أُهملت البنيات التحتية، وجُوّع الاستثمار الحقيقي، وتم تهميش العنصر البشري، لتبقى الساكنة رهينة الفقر والهشاشة، تواجه الطبيعة بأجساد عارية وبيوت هشة، في مشهد يختزل سنوات طويلة من الإهمال والصمت السياسي.
الخطير في ما يجري أن الكارثة تتكرر، وتتكرر معها لغة التعاطف والشجب، دون محاسبة حقيقية، ودون مساءلة جدية، ودون كسر حلقة الإفلات من المسؤولية. فكل فيضان جديد ليس سوى دليل إضافي على أن الفشل لم يعد تقنيًا أو ظرفيًا، بل أصبح بنيويًا وسياسيًا.
إن إنقاذ الغرب لا يمر عبر تدخلات استعجالية ظرفية ولا عبر وعود موسمية، بل عبر قرار سياسي شجاع يعيد ترتيب الأولويات، ويضع حدًا لتحكم الريع السياسي، ويفعّل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤسس لتخطيط عمراني صارم يحمي الإنسان قبل الأرض.
نسأل الله السلامة والعافية لأبناء الغرب، ولكل مناطق المغرب شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، على أمل أن تكون هذه الكارثة نهاية مرحلة من العبث، لا مجرد فاصل مؤلم في مسلسل النسيان.
