فرنسا تحترق.. إجلاء أكثر من 200 ألف شخص والجيش يدخل على خط مواجهة حرائق غير مسبوقة

الوطن24 ــ بوردو
تواصل فرنسا مواجهة واحدة من أعنف موجات حرائق الغابات في تاريخها الحديث، بعدما تحولت مناطق واسعة من جنوب غربي البلاد إلى مساحات مفتوحة للنيران، في وقت تجاوز فيه عدد الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من المناطق المتضررة 200 ألف شخص، وسط تحذيرات من استمرار موجة الحر والجفاف وصعوبة السيطرة على الحرائق المتزامنة.
وأمام اتساع رقعة الكارثة، أعلنت الحكومة الفرنسية نشر وحدات من الجيش لدعم فرق الإطفاء وأجهزة الطوارئ، في محاولة لاحتواء النيران التي واصلت التقدم رغم تعبئة إمكانات بشرية ولوجستية ضخمة.
النيران تقترب من بوردو
وفي محيط مدينة بوردو، اضطرت السلطات إلى إجلاء آلاف الأشخاص من مناطق قريبة من المدينة، بعدما لم تظهر مؤشرات واضحة على انحسار الحرائق التي تواصل الانتشار في مناطق واسعة من إقليم جيروند.
وأكدت صوفي بروكا، رئيسة الإدارة المحلية لمنطقة نوفيل-أكيتين وجيروند، أن عمليات الإجلاء شملت مناطق لوايون وإيزين وميرينياك، في ظل استمرار تقدم ألسنة اللهب.
كما صدر أمر بالإخلاء الفوري لأجزاء من ثلاث ضواحٍ غربية، من بينها مناطق تقع بالقرب من مطار بوردو، في خطوة تعكس خطورة الوضع الميداني وسرعة تطور الحرائق.
وقالت السلطات المحلية إن استمرار انتشار النيران، رغم الإمكانات الكبيرة التي جرى حشدها، فرض إجلاء السكان من المناطق المهددة، حفاظاً على أرواحهم وسلامتهم.
الجيش الفرنسي يدخل المعركة
وفي تطور يعكس حجم الكارثة، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن أكثر من 200 ألف شخص تم إجلاؤهم حتى الآن من إقليمي جيروند ولاند، اللذين يواجهان حرائق واسعة منذ الأسبوع الماضي.
وقال لوكورنو إن الحرائق التي تجتاح البلاد بلغت مستوى «غير مسبوق»، مؤكداً نشر وحدات من الجيش الفرنسي للمشاركة في عمليات مكافحة النيران إلى جانب فرق الإطفاء وأجهزة الطوارئ.
ويأتي هذا القرار في وقت تواجه فيه فرق الإنقاذ ظروفاً ميدانية قاسية، بسبب اتساع رقعة الحرائق وتعدد بؤرها، فضلاً عن الحرارة المرتفعة والرياح وجفاف الغطاء النباتي.
شبه جزيرة كاب فيريه.. إخلاء جماعي
وكانت السلطات قد أمرت بإخلاء شبه جزيرة كاب فيريه بالكامل، وهي واحدة من أشهر الوجهات السياحية على الساحل الأطلسي الفرنسي، بعدما باتت النيران تهدد مناطق واسعة من المنطقة.
وفرّ عشرات الآلاف من السكان والسياح عبر السيارات والقوارب، فيما تم تسخير وسائل النقل البحري للمساعدة في عمليات الإجلاء.
وأُمرت أعداد كبيرة من الأشخاص، بينهم نحو 63 ألف شخص معظمهم من السياح، بمغادرة المنازل ومواقع التخييم، في واحدة من أكبر عمليات الإخلاء التي شهدتها المنطقة.
أكثر من 10 آلاف هكتار تحولت إلى رماد
ووفق المعطيات الرسمية، التهمت النيران أكثر من 10 آلاف هكتار من الغابات، فيما لحقت أضرار بنحو 80 منزلاً، دُمر حوالي 50 منها بالكامل.
وفي منطقة بيسكاروس، وصف أحد السكان المشهد بأنه «صادم للغاية»، بعدما شاهد ألسنة اللهب وسحب الدخان الكثيفة من منزله، قبل أن تطلب منه الشرطة مغادرة المنطقة.
كما حذر وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز من خطورة أحد الحرائق الكبرى قرب بلدة سومو، مشيراً إلى أن النيران كانت تهدد بقطع طريق الخروج الوحيد من شبه جزيرة كاب فيريه، وهو ما كان يمكن أن يزيد من تعقيد عمليات الإجلاء ويعرّض آلاف الأشخاص للخطر.
موجة حر تضرب فرنسا بعنف
وتأتي هذه الحرائق في ظل موجة حر استثنائية تضرب مناطق واسعة من فرنسا وأوروبا.
وبحسب بيانات مناخية، بلغ متوسط درجات الحرارة في منطقة أكيتين خلال شهر يوليوز الجاري 32.2 درجة مئوية، أي بزيادة قدرها 7.3 درجات مئوية مقارنة بمتوسط درجات الحرارة القصوى المعتاد خلال الفترة الممتدة بين عامي 1961 و1990.
وتشير المعطيات المناخية إلى أن حرائق الغابات أتت هذا العام على مساحات واسعة من الأراضي الأوروبية، متجاوزة المتوسط السنوي المسجل خلال العقدين الماضيين.
وتواجه القارة الأوروبية، التي تُعد من أسرع مناطق العالم ارتفاعاً في درجات الحرارة، موجات حر متعاقبة منذ بداية العام، الأمر الذي يزيد من جفاف الغطاء النباتي ويرفع مخاطر اندلاع الحرائق وانتشارها بسرعة كبيرة.
فرنسا أمام اختبار استثنائي
وبينما تواصل فرق الإطفاء والجيش وأجهزة الطوارئ معركتها في مواجهة النيران، يواجه جنوب غربي فرنسا واحدة من أصعب الكوارث الطبيعية خلال السنوات الأخيرة.
آلاف الأشخاص أُجبروا على مغادرة منازلهم، ومئات الآلاف يعيشون تحت التهديد، فيما تحولت مساحات شاسعة من الغابات إلى رماد.
إنها ليست مجرد حرائق موسمية عابرة، بل مشهد جديد يعكس حجم التغيرات المناخية التي أصبحت تضغط بقوة على أوروبا، وتضع الدول أمام تحديات متزايدة في حماية السكان والبيئة والبنية التحتية.
وفي جنوب غربي فرنسا، لا تزال المعركة مستمرة…
والنيران لم تقل كلمتها الأخيرة بعد...
