المغرب: من «الظرفية لا تسمح» إلى 5000 درهم.. هل تحولت الانتخابات إلى مزاد للوعود؟

الوطن24/ خاص
في المغرب، يبدو أن ذاكرة المواطن أصبحت اليوم أمام امتحان جديد مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بعدما عادت الوعود المالية إلى واجهة الخطاب السياسي، بأرقام كبيرة تثير أكثر من سؤال حول مصادر التمويل، وإمكانية التنفيذ، والفرق بين ما يُقال في المفاوضات الاجتماعية وما يُرفع في الحملات الانتخابية.
تصريح سياسي لاذع أعاد فتح هذا النقاش من بابه الواسع، مستحضرًا أشهرًا من المفاوضات بين الحكومة والفرقاء الاجتماعيين والنقابات الأكثر تمثيلية حول تحسين الأجور والقدرة الشرائية.
المفارقة التي توقف عندها المتحدث تبدو واضحة: عندما كان النقاش يتعلق بتحسين أجور المغاربة، كانت «الظرفية» حاضرة بقوة، وكانت الإمكانيات المالية والاقتصادية تُطرح لتبرير محدودية الزيادة؛ لكن عندما اقترب موعد الانتخابات، ظهرت وعود مالية بأرقام أكبر بكثير.
وهنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاهله:
كيف يمكن أن تكون خزينة الدولة عاجزة عن تحمل زيادة محدودة في الأجور، بينما تصبح وعود بمبالغ تصل إلى 5000 درهم ممكنة في الخطاب الانتخابي؟
السؤال ليس تقنيًا فقط، بل سياسي بامتياز.
فالمواطن المغربي الذي يسمع اليوم أرقامًا كبيرة، يريد أن يعرف قبل التصفيق لها: من سيدفع؟ ومن المستفيد؟ ومتى سيُنفَّذ الوعد؟ وهل يتعلق الأمر بالتزام حكومي قابل للتطبيق أم مجرد شعار انتخابي؟
المشكلة، كما يوحي بها التصريح، أن الانتخابات قد تتحول إلى سباق بين الأحزاب والمرشحين لرفع سقف الوعود المالية، وكأن المواطن ينتظر فقط معرفة قيمة المبلغ الذي سيحصل عليه، بينما تتراجع إلى الخلف قضايا أكثر تعقيدًا وحساسية.
أين هي الصحة العمومية؟
أين هو إصلاح المستشفيات وتحسين جودة العلاج وتقليص معاناة المواطنين مع الخدمات الصحية؟
أين يوجد التعليم والجامعة والبحث العلمي في صدارة البرامج الانتخابية؟
وماذا عن الشغل، وحماية المستهلك، وتحسين القدرة الشرائية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص؟
هذه الأسئلة لا يمكن اختزالها في شيك انتخابي أو رقم يُرفع في مهرجان خطابي.
المغاربة لا يحتاجون فقط إلى من يقول لهم: «سنعطيكم المال»، بل يحتاجون إلى من يشرح لهم كيف ستُبنى المدرسة، وكيف سيُصلح المستشفى، وكيف سيُخلق الشغل، وكيف ستُحمى القدرة الشرائية، وكيف سيصبح الاقتصاد قادرًا على تمويل الالتزامات الاجتماعية على المدى الطويل.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
المال سهل في الخطاب الانتخابي، لكن صناعة التنمية ليست كذلك.
فمن السهل إعلان رقم كبير أمام جمهور انتخابي، لكن الأصعب هو تقديم دراسة مالية واضحة، وتحديد مصدر التمويل، والجدولة الزمنية، وآليات التنفيذ، ومؤشرات قياس النتائج.
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في المغرب ليس: «من سيعطي أكثر؟»، وإنما:
من سيقدم للمغاربة برنامجًا يمكن تنفيذه فعلًا؟
فالانتخابات ليست مزادًا ماليًا، والمواطن ليس مجرد رقم في صندوق الاقتراع.
وإذا كانت بعض الأحزاب ستدخل السباق الانتخابي بوعود مالية كبيرة، فإن عليها أن تكون مستعدة أيضًا للإجابة عن الأسئلة الصعبة: كم ستكلف هذه الوعود؟ من أين ستأتي الأموال؟ وما هي الضمانات القانونية والمالية لتنفيذها؟ وماذا سيحدث إذا لم تتحقق؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية هو أن تتحول البرامج الانتخابية إلى سوق للوعود، بينما يبقى المواطن بعد الانتخابات أمام الأسئلة نفسها: مستشفى ينتظر الإصلاح، مدرسة تحتاج إلى التأهيل، شاب يبحث عن عمل، وأسرة تصارع ارتفاع تكاليف الحياة.
في المغرب، الناخب اليوم ليس مطالبًا بالتصفيق للأرقام، بل بمحاسبة أصحابها.
فالوعود تُقال في موسم الانتخابات… أما الحساب الحقيقي فيبدأ صباح اليوم التالي لإعلان النتائج.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام برامج انتخابية حقيقية لبناء المغرب، أم أمام مزاد جديد للوعود قبل أن يقول المغاربة كلمتهم؟
