حين يصبح المسجد محطة انتخابية.. من يشتري أصوات المغاربة بالمال؟

السؤال صادم، لكن الواقعة المتداولة في دوار أولاد ترنة، المعروف أيضاً بأولاد جلال، بدائرة أفريجة بإقليم تارودانت، أكثر صدمة.

معطيات متداولة تتحدث عن توزيع أموال داخل مسجد في سياق انتخابي، مع توجيه اتهامات إلى كريم القدوري، النائب الأول لرئيسة جماعة سيدي بورجا، وهي اتهامات لم تُحسم قضائياً، فيما تشير المعطيات المتداولة إلى دخول مصالح الدرك الملكي على خط القضية للتحقيق في ملابساتها.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بشخص أو جماعة أو حزب.

لأن السؤال الذي يختبئ خلف هذه الواقعة هو الأخطر:

في الديمقراطيات الحقيقية، المرشح يدخل إلى بيت المواطن حاملاً برنامجاً.

يشرح.

يقنع.

يناقش.

ويترك للناخب حرية الاختيار.

أما حين يتحول المال إلى لغة انتخابية، فإن المعادلة تنقلب رأساً على عقب.

بل يصبح:

وهنا تبدأ الكارثة.

لأن الفقر، في هذه الحالة، يتحول من مأساة اجتماعية إلى فرصة انتخابية.

والحاجة الإنسانية تتحول إلى ورقة ضغط.

والمواطن الذي كان ينبغي أن يكون صاحب القرار يتحول إلى مجرد رقم في حسابات المرشح.

المغربي الأمي ليس مذنباً.

والفقير ليس مذنباً.

والمحتاج ليس مذنباً.

المسؤولية تقع على من يرى في ضعف المواطن فرصة للسيطرة على صوته.

فبدلاً من محاربة الأمية، وتبسيط البرامج، وتثقيف المواطن بحقوقه، وتقديم حلول حقيقية للفقر والبطالة والتهميش، قد تتحول بعض المواسم الانتخابية إلى موسم لتوزيع الوعود والمساعدات.

وهذه حقيقة سياسية يجب أن تُقال بصراحة.

كلما ارتفع وعي المواطن، أصبح السؤال:

ماذا قدمتم خلال الولاية السابقة؟

وكلما غاب الوعي، أصبح السؤال:

ماذا ستعطونني الآن؟

وهنا تحديداً تخسر الديمقراطية.

إذا أثبت التحقيق أن أموالاً وُزعت داخل مسجد بهدف التأثير على الناخبين، فإن القضية لن تكون مجرد شبهة انتخابية.

ستكون إهانة لحرمة مكان يفترض أن يبقى بعيداً عن الصراع الحزبي.

المسجد ليس مقراً لحزب.

ولا منصة لمرشح.

ولا مكتباً لتوزيع الأموال.

ولا فضاءً لاستمالة الناخبين.

المسجد للمغربي الذي يصلي فيه، مهما كان انتماؤه السياسي.

ومن يحاول إدخال الحسابات الانتخابية إلى فضاء العبادة يضع السياسة في مواجهة مع المقدس، ويحول مكاناً يفترض أن يجمع الناس إلى مساحة محتملة للتجاذب والانقسام.

وهنا يجب أن يكون القانون واضحاً وحازماً.

قد يكون من السهل تحويل القضية إلى معركة ضد حزب بعينه.

لكن ذلك لن يحل المشكلة.

لأن السؤال يجب أن يوجه إلى جميع الأحزاب المغربية:

هل لديكم آليات حقيقية لمنع شراء الأصوات؟

هل تراقبون ممارسات مرشحيكم وداعميكم؟

هل تعاقبون من يستعمل المال أو النفوذ بطريقة غير مشروعة؟

وهل تستطيعون أن تقولوا للناخب المغربي بكل وضوح:

إذا كانت الإجابة نعم، فليكن ذلك واضحاً بالممارسة لا بالشعارات.

أما إذا تحولت الانتخابات إلى منافسة بين من يملك المال ومن يملك المال أكثر، فإن الحديث عن البرامج والإصلاحات يصبح مجرد ديكور انتخابي.

وهنا نصل إلى أصل المشكلة.

الانتخابات ليست مسابقة في القدرة على الإنفاق.

والبرلمان ليس جائزة لمن يستطيع فتح أكبر عدد من الأبواب أو توزيع أكبر عدد من المساعدات.

والجماعات الترابية ليست ملكيات انتخابية.

وإذا وصل شخص إلى موقع القرار لأنه استطاع شراء الولاءات، فإن المواطن قد يدفع الثمن سنوات طويلة بعد انتهاء الانتخابات.

لأن من اشترى المقعد يحتاج، في النهاية، إلى استرداد ما أنفقه بطريقة أو بأخرى.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:

غالباً… المواطن نفسه.

قد تكشف التحقيقات أن بعض المعطيات المتداولة غير دقيقة، وقد تثبت وجود تجاوزات، وقد تنتهي القضية إلى نتائج أخرى.

وهذا شأن الجهات المختصة والقضاء.

لكن القضية فتحت نافذة على مشكلة أكبر من الأشخاص والأسماء:

كيف نحمي المواطن من استغلال فقره؟

كيف نحمي الأمي من الاستغلال السياسي؟

كيف نحمي المسجد من التوظيف الحزبي؟

وكيف نجعل المنافسة قائمة على الكفاءة والبرنامج، لا على حجم الجيب؟

هذه الأسئلة لا تخص تارودانت وحدها.

إنها تخص كل دائرة انتخابية في المغرب.

إذا كانت الأحزاب تريد فعلاً بناء مغرب ديمقراطي، فعليها أن تتوقف عن النظر إلى المواطن باعتباره «صوتاً انتخابياً».

المواطن إنسان.

له كرامة.

وله عقل.

وله حق في الاختيار.

ومن يريد صوته، فليحصل عليه بالإقناع.

ومن يريد البرلمان، فليحصل عليه بالبرنامج.

ومن يريد ثقة المغاربة، فليحترم عقولهم قبل أن يطلب أصواتهم.

أما المسجد، فليُترك بعيداً عن كل ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *