المغرب بين خطاب الوفرة وواقع الغلاء: هل أخفقت الحكومة في تدبير أزمة الأضاحي؟

الوطن24/ الرباط

في الوقت الذي كان فيه المغاربة ينتظرون خطابًا حكوميًا صريحًا يشرح حقيقة وضعية القطيع الوطني وأسعار الأضاحي قبيل عيد الأضحى، وجدوا أنفسهم أمام تطمينات رسمية تحدثت عن “وفرة كبيرة” في رؤوس الأغنام، وعن أرقام قُدمت باعتبارها كافية لتغطية الطلب الوطني. غير أن الواقع داخل الأسواق والرحبات كشف صورة مغايرة تمامًا: أسعار مرتفعة بشكل غير مسبوق، وعرض محدود، وشعور واسع لدى المواطنين بأنهم تعرضوا للتضليل.

هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني أعاد إلى الواجهة سؤال الثقة في التواصل الحكومي، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وتداعيات التضخم العالمي.

أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أسعار

الحكومة المغربية، بقيادة عزيز أخنوش، حاولت طمأنة الرأي العام عبر التأكيد على توفر أعداد كافية من الأغنام، مع الإشارة إلى أن السوق سيعرف توازنًا تدريجيًا مع اقتراب العيد. لكن هذه التصريحات اصطدمت سريعًا بواقع الأسواق، حيث تجاوزت أسعار الأضاحي القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين، بينما اشتكى كثيرون من قلة العرض مقارنة بحجم الطلب.

ويرى متابعون أن المشكلة لم تكن فقط في غلاء الأسعار، بل في طريقة تدبير الأزمة والتواصل معها. فحين تُقدم أرقام متفائلة دون أن تنعكس فعليًا على السوق، يتحول الخطاب الرسمي إلى عامل إضافي في تعميق فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات.

لوبيات السوق والدعم العمومي

الجدل اتسع أيضًا بسبب اتهامات متكررة للحكومة بالتساهل مع الوسطاء والمضاربين، الذين استفادوا — بحسب منتقدين — من حالة الارتباك داخل السوق لرفع الأسعار وتحقيق أرباح كبيرة. كما أثيرت تساؤلات حول جدوى الدعم العمومي الذي خُصص لاستيراد الأغنام، بعدما كان الهدف المعلن منه هو تخفيف العبء عن المواطنين وضمان استقرار الأسعار.

غير أن نتائج هذا الدعم ظلت محل انتقاد، إذ يرى كثير من المغاربة أن المستفيد الأكبر كان بعض المستوردين والفاعلين الكبار في السوق، في حين لم يلمس المواطن البسيط أثرًا حقيقيًا لهذا الدعم على الأسعار النهائية.

هل أخطأت الحكومة في قراءة الواقع؟

اقتصاديون يعتبرون أن جزءًا من الأزمة مرتبط بعوامل موضوعية، من بينها تراجع القطيع الوطني بسبب سنوات الجفاف المتتالية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل. لكنهم في المقابل يشددون على أن تدبير الأزمات لا يقاس فقط بالإجراءات التقنية، بل أيضًا بمدى الصراحة والشفافية في التواصل مع المواطنين.

فلو تم الاعتراف مبكرًا بحجم الأزمة، مع تقديم معطيات دقيقة وخطة واضحة لضبط الأسعار ومراقبة المضاربة، ربما كان وقع الأزمة أقل حدة على الرأي العام.

المغرب أمام تحدي اجتماعي متصاعد

أزمة الأضاحي هذا العام لم تعد مجرد نقاش موسمي مرتبط بعيد ديني، بل تحولت إلى مؤشر على الاحتقان الاجتماعي المتزايد داخل المغرب، حيث تتنامى مخاوف المواطنين من تآكل القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.

وفي ظل هذا الوضع، تبدو الحكومة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة بناء الثقة مع الشارع المغربي، عبر مصارحة الرأي العام بحقائق الوضع الاقتصادي، وتشديد الرقابة على الأسواق، وضمان أن تصل أي إجراءات دعم مستقبلية إلى المواطن بدل أن تتحول إلى أرباح إضافية للوبيات والوسطاء.

ويبقى السؤال المطروح اليوم داخل المغرب: هل كانت أزمة الأضاحي مجرد خلل ظرفي في السوق، أم أنها كشفت عن أزمة أعمق في طريقة تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *