المغرب بين ذاكرة الزاكي وحلم الركراكي: الكان اختبار تمغربيت والتتويج المؤجل

في المغرب، لا تُختزل كرة القدم في نتيجة مباراة، ولا تُقاس قيمتها بعدد الألقاب فقط، بل بما تحمله من رمزية وطنية وبما تجسده من روح “تمغربيت” التي توحد المغاربة حول حلم واحد. وعندما يُستحضر اسم بادو الزاكي، فإن الذاكرة تعود تلقائياً إلى واحدة من أبرز محطات الكرة المغربية، نهائي كأس الأمم الإفريقية “الكان” سنة 2004 بتونس، حين أعاد هذا الرجل الأمل والثقة لمنتخب كان يعيش مرحلة شك وتراجع.

بادو الزاكي لم يكن مجرد مدرب قاد المغرب إلى نهائي الكان، بل كان عنوان مرحلة أعادت زرع الطموح في نفوس المغاربة. في عهده، لعب المنتخب بإمكانات محدودة لكن بروح عالية، بروح تمغربيت الصادقة التي تجعل القميص الوطني فوق كل اعتبار. ورغم ضياع اللقب، إلا أن تلك التجربة رسخت قناعة راسخة مفادها أن المغرب قادر على مقارعة كبار القارة متى توفرت الإرادة والانسجام.

اليوم، وبعد سنوات من الانتظار، يبدو أن المغرب يعيش لحظة مفصلية جديدة مع المدرب وليد الركراكي. السياق تغير، والرهانات تضاعفت، والإمكانيات أصبحت أكبر. المنتخب المغربي لم يعد فريقاً يبحث عن الاعتراف، بل مشروعاً كروياً متكاملاً، مدعوماً بجيل من اللاعبين المحترفين في أقوى الدوريات، وببنية تحتية حديثة، وبعمل مؤسساتي أعاد الاعتبار لكرة القدم الوطنية.

الفرق بين مرحلتي الزاكي والركراكي لا يكمن في الأشخاص بقدر ما يكمن في طبيعة الانتظارات. الزاكي كان يقاتل ليُقنع المغاربة بأن المغرب قادر على الوصول، بينما يجد الركراكي نفسه مطالباً بإقناع إفريقيا بأن المغرب جاء للفوز. نجاح المنتخب المغربي في كأس العالم لم يكن إنجازاً عابراً، بل لحظة تاريخية أعادت رسم صورة المغرب كقوة كروية وازنة، لكنها في المقابل رفعت سقف الطموح والضغط الجماهيري، خصوصاً مع اقتراب موعد الكان.

في هذا السياق، لم تعد كأس الأمم الإفريقية مجرد بطولة قارية للمشاركة المشرفة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى نضج المشروع الكروي المغربي. الكان أصبحت امتحان تمغربيت بامتياز: هل يستطيع المغرب ترجمة الروح القتالية، والانضباط التكتيكي، والهوية الجماعية إلى لقب طال انتظاره منذ 1976؟ أم أن العقدة الإفريقية ستستمر رغم كل المؤشرات الإيجابية؟

وليد الركراكي يدرك جيداً حجم هذه المسؤولية. فهو لا يقود منتخباً عادياً، بل يقود حلم أمة كروية بأكملها. الجماهير المغربية لم تعد تكتفي بالأداء الجميل أو الوصول إلى الأدوار المتقدمة، بل ترى في التتويج القاري استحقاقاً منطقياً لمسار طويل من العمل والتراكم. بين ذاكرة الزاكي التي أعادت الإيمان، وحلم الركراكي الذي يراهن على التتويج، يقف المغرب اليوم أمام فرصة تاريخية لطي صفحة الانتظار.

إنها لحظة تتقاطع فيها الذاكرة مع الطموح، ويصبح الماضي وقوداً للحاضر لا عبئاً عليه. وفي المغرب، حين تُلعب المباريات بروح تمغربيت، يصبح الحلم أقرب، وتتحول الكان من مجرد بطولة إلى موعد مع كتابة التاريخ من جديد.