المغرب بين وهم “الصناعة الكهربائية” وحكومة تبيع الإنجاز قبل أن تصنعه.

الوطن24/ خاص
في المغرب، يبدو أن قصص “الإنجازات” الحكومية أصبحت تُصنع بسرعة تفوق سرعة إنجاز المشاريع نفسها. وفي أحدث حلقات هذا المسلسل السياسي، خرج وزيرا بنسعيد وبلخياط ليعلنا للعالم عن “السيارة الكهربائية المغربية 100%”، في خطوة وُصفت بأنها إنجاز وطني يفتح باب الريادة الصناعية.
الإعلام الرسمي احتفى بالخبر كعادته، والكاميرات اشتغلت بلا توقف، والمنصات الحكومية امتلأت بشعارات من قبيل “صناعة مغربية رائدة” و“ابتكار وطني خالص”. لكن كل هذا التألق لم يستمر طويلاً، بعدما خرج صحافي مستقل ليفضح الحقيقة: السيارة ليست سوى نسخة مطابقة لسيارة صينية تُباع هناك بنصف الثمن.
بدلاً من الاعتذار أو فتح تحقيق شفاف، ظهر الوزير متحدثاً عن “خطأ تواصلي”، وكأن الأمر مجرد زلة لغوية لا علاقة لها بمال عام قُدّر بمليارات، ولا بحملة حكومية ضخمة نُسجت حول “إنجاز” غير موجود. الأكثر إثارة أن الوزير أكد بأريحية أن “نسبة الدمج الوطني تصل إلى 55%” — نسبة غامضة لا تدعمها أي وثيقة تقنية ولا أي إثبات صناعي.
في المغرب، ليست المشكلة في الرغبة في دخول مجال التصنيع المتقدم؛ فالجميع يتمنى رؤية صناعة وطنية حقيقية تُشغّل الشباب وتمنح الاقتصاد قدرة تنافسية. المشكلة تكمن في تضخيم الوهم وخلق روايات رسمية لا تستند إلى إنجاز فعلي، مع الاستمرار في تقديم مشاريع مستوردة على أنها علامات بارزة لنهضة صناعية.
لو كنا أمام حكومة تُقدّم حساباً للرأي العام، لكان من الطبيعي فتح تحقيق منذ الساعات الأولى، والوقوف على كيفية صرف التمويلات الضخمة، وسؤال المسؤولين عن الترويج العلني لمنتوج غير مكتمل أو غير صحيح. لكن بدلاً من ذلك، تحوّل “الخطأ التواصلي” إلى خطاب رسمي، وتحول الوهم إلى “مشروع استراتيجي”، وتحولت ملايين الدراهم الموجهة للدعم العمومي إلى تفاصيل ثانوية.
ما يحتاجه المغرب اليوم ليس مزيداً من البلاغات الدعائية، بل حكومة تعترف بأخطائها، ومؤسسات تحترم ذكاء المواطنين، ورؤية صناعية حقيقية تقوم على الابتكار لا على إعادة طلاء منتجات جاهزة.
فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بالجدية والشفافية والجرأة على مواجهة الحقيقة.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل المغرب رهين صناعة سياسية تتقن التسويق أكثر مما تتقن الإنتاج، وتُصدّر الوهم للعالم بينما ينتظر المواطن إنجازاً واحداً يُترجم على أرض الواقع.
