المغرب : تقرير يكشف حجم الإعفاءات التي طالت على وزارة الصحة والحماية الاجتماعية … من يقف وراء ذلك ؟

يعيش قطاع الصحة في المغرب منذ سنوات حالة غير مسبوقة من الارتباك الإداري، وذلك نتيجةً لكثرة الإعفاءات والتنقيلات التي تطال مسؤولين مركزيين وجهويين وإقليميين. هذا المشهد يعكس حجم الاختلالات التي يعرفها هذا القطاع الحيوي، ويطرح بالتالي أكثر من علامة استفهام حول معايير التعيين وتدبير الموارد البشرية.

ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك، قضية المديرة الجهوية لمياء الشاكيري التي أعفيت من مهامها بجهة مراكش آسفي بسبب ما اعتُبر حينها اختلالات في تدبير مرحلة جائحة كوفيد19. غير أن عودتها بعد أسبوعين فقط إلى منصب جديد على رأس المديرية الجهوية للصحة بسوس ماسة لم تصمد طويلاً، إذ سرعان ما عصف بها التوتر الذي شهدته مدينة أكادير مؤخراً، لتجد نفسها مرة أخرى خارج دائرة المسؤولية.

القصة نفسها تتكرر مع مسؤولين آخرين؛ فمثلاً، رشدي قدار الذي انتقل إلى جهة بني ملال خنيفرة سنة 2018، غادر المنصب بعد أقل من شهرين وذلك بسبب اتهامات بسوء التواصل مع الأطر الصحية. كما أن الحسن الوالي، الذي أعفي من منصبه بإقليم الرحامنة بسبب “الإخلال بالالتزامات الوظيفية”، جرى تعيينه بعد أشهر قليلة مديرا جهويا بجهة العيون الساقية الحمراء، غير أن الوزير الأسبق أنس الدكالي تراجع عن القرار تحت ضغط احتجاجات واسعة.

ولم تكن عائشة لطفي استثناءً من هذه الظاهرة، فقد تم تعيينها على رأس المركز الاستشفائي الجهوي بالعيون سنة 2023 بغرض تهدئة احتقان نقابي. لكن ضعف تدبيرها سرعان ما دفع الوزارة إلى إعفائها، ليُعاد تعيينها مديرة لمستشفى بني ملال، قبل أن تُعفى من جديد في مارس 2025 بعد تفاقم التوتر مع الأطر الصحية. وبالمثل، حسن القناب، المندوب الإقليمي السابق للصحة بطنجة، أعفي بسبب تقارير حول سوء التسيير، ليتم تعيينه بعدها بإقليم الحسيمة، إلا أنه سرعان ما وجد نفسه ضمن لائحة الإعفاءات الواسعة التي أعقبت احتجاجات الريف.

وزيادة على ذلك، كشفت تقارير حديثة عن وجود تلاعبات خطيرة في نتائج امتحانات ممرضي الغد، إلى جانب فضائح مرتبطة بمباريات توظيف أقارب بعض المدراء المركزيين. هذه الوقائع تؤكد مرة أخرى أن معايير الشفافية وتكافؤ الفرص ما تزال غائبة عن تدبير الموارد البشرية في القطاع الصحي.

إن هذه الأمثلة مجتمعة تكشف أن وزارة الصحة تعيد تدوير المسؤولين المعفيين بدلاً من فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على إنقاذ قطاع يعيش أزمة هيكلية. ومن ثَمَّ، تُوضع مديرية الموارد البشرية، التي تتولى الإشراف على حركة التعيينات والإعفاءات، في قلب التساؤلات، إذ تبدو قراراتها في كثير من الأحيان مرتبكة أو خاضعة لضغوط ظرفية، مما يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين والمهنيين على حد سواء.

وبناءً على ما سبق، فإن توالي هذه القرارات يؤشر على غياب سياسة واضحة في تدبير الموارد البشرية بالقطاع الصحي، ويكرس بالتالي استمرار منطق “الترضيات” في التعيينات. هذا الأمر ساهم في تراكم أزمات المستشفيات واحتقان الأطر الصحية وتصاعد غضب المواطنين. وعليه، يظل الرهان الحقيقي اليوم هو القطع مع هذا النهج العشوائي، ووضع آليات صارمة وشفافة لتعيين المسؤولين ومحاسبتهم على أساس الكفاءة والنتائج، بدلاً من الاكتفاء بإعفاءات شكلية لا تزيد إلا في تعميق أزمة الثقة .