المغرب: شبهات فساد داخل المجلس الأعلى للحسابات تضع صفقات بـ70 مليون درهم تحت المجهر

تشهد الساحة المؤسساتية في المغرب جدلاً متصاعداً عقب معطيات متداولة بشأن شبهات اختلالات خطيرة في تدبير عدد من الصفقات العمومية داخل المجلس الأعلى للحسابات، وهي المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية وتقييم أداء الأجهزة العمومية. وتهم هذه المعطيات صفقات تُقدَّر قيمتها الإجمالية بحوالي 70 مليون درهم، موزعة على خدمات كراء السيارات، الحراسة، النظافة والبستنة.

وبحسب مصادر متقاطعة، فإن التدقيقات الجارية تركز على طريقة إسناد هذه الصفقات، خصوصاً في ما يتعلق باعتماد صيغة الكراء بدل الاقتناء، في سياق توجه حكومي سابق شجّع الإدارات العمومية على تقليص نفقات الاستثمار المباشر. غير أن ما يُطرح اليوم هو ما إذا كان هذا التوجه قد استُخدم، في بعض الحالات، لإبرام عقود طويلة الأمد بكلفة إجمالية مرتفعة تفوق كلفة الاقتناء المباشر، بما يطرح تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية واحترام مبدأ ترشيد النفقات.

وتشير المعطيات إلى احتمال وجود مؤشرات على تضارب مصالح، من خلال فوز شركات يُقال إن لها صلات مباشرة أو غير مباشرة بمسؤولين أو بمحيطهم العائلي. كما يجري التحقق من فرضية تكرار إسناد صفقات لشركات بعينها، رغم وجود عروض منافسة، إضافة إلى قبول عروض مالية مرتفعة دون تعليل كافٍ في محاضر اللجان المختصة.

ومن بين النقاط التي تخضع للتدقيق أيضاً مسألة “تشطير” النفقات، أي تقسيم الطلبات إلى حصص أصغر لتفادي المرور عبر مساطر طلبات العروض المفتوحة أو الرقابة المسبقة المشددة، وهو إجراء إن ثبت استعماله بغرض الالتفاف على القانون، فإنه يشكل خرقاً صريحاً لمبادئ الشفافية والمنافسة. كما تحدثت مصادر عن ضغوط محتملة مورست على بعض المتعهدين للدخول في شراكات غير معلنة كشرط للفوز ببعض الصفقات.

حساسية الملف لا ترتبط فقط بحجمه المالي، بل بطبيعة المؤسسة المعنية. فـالمجلس الأعلى للحسابات يمثل، دستورياً، حجر الزاوية في منظومة الرقابة بالمغرب، وأي شبهات تمس طريقة تدبيره الداخلي تنعكس مباشرة على صورة منظومة الحكامة برمتها. لذلك، فإن الرهان الأساسي اليوم يتمثل في ضمان تحقيق إداري ومالي دقيق، وشفاف، ومستقل، يحدد المسؤوليات بشكل واضح.

ويؤكد متابعون أن معالجة هذا الملف ستكون اختباراً فعلياً لمدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في المغرب، خاصة في ظل الخطاب الرسمي المتكرر حول أولوية تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة في المؤسسات. فالرهان لا يقتصر على ترتيب الجزاءات عند الاقتضاء، بل يمتد إلى مراجعة آليات المراقبة الداخلية، وتدقيق مساطر الصفقات، وضمان نشر المعطيات المرتبطة بها بشكل يتيح للرأي العام تتبع كيفية صرف المال العام.

في انتظار نتائج التحقيقات الرسمية، تبقى كل المعطيات المتداولة في إطار ما يتم بحثه وتدقيقه، دون إصدار أحكام مسبقة. غير أن وضوح المسار المؤسساتي في هذا الملف سيكون عاملاً حاسماً في تعزيز صورة المغرب كدولة تسعى إلى ترسيخ الشفافية وحماية المال العام وفق قواعد دولة القانون.