المغرب: عبد القادر العاقل… آخر باعة الصحف الذين قاوموا النسيان في شوارع طنجة

في زمنٍ صارت فيه الأخبار تُلتهم عبر الشاشات، وتُمرَّر بالأصابع، لا يزال عبد القادر العاقل يحمل الصحف على ذراعه، ويجوب شوارع طنجة، كما لو أنه يقاوم النسيان وحده. منذ أكثر من ستة عقود، وهو يبيع الجرائد، لا باعتبارها أوراقًا، بل ذاكرةً وحياةً ومصدر كرامة.

عبد القادر، قيدوم باعة الصحف المتجولين بمدينة طنجة، بدأ رحلته مع الجريدة وهو في الثالثة عشرة من عمره. لم يغادرها يومًا، رغم قسوة العيش، ورغم تحولات الزمن، ورغم الثورة الرقمية التي اجتاحت كل شيء. لا يعرف عمره الحقيقي، ويشكك حتى في تاريخ ميلاده المسجل في بطاقته الوطنية سنة 1956، لكن المؤكد أنه قضى عمرًا كاملًا بين العناوين، والمقاهي، وقرّاء الصباح.

لسنوات طويلة، لم تكن وسط طنجة تستفيق إلا على صوته، وهو يصدح بعناوين الجرائد، متنقلًا بين الشوارع والمقاهي، في جولة يومية لملاحقة الباحثين عن أخبار الوطن والعالم مع أول رشفة قهوة. كان صوته جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، وعنصرًا ثابتًا في ذاكرتها الحضرية.

لم يُكمل عبد القادر مساره الدراسي، بعدما تعثر في سنواته الأولى، لكنه لم يبتعد عن القراءة يومًا. على العكس، صار واحدًا من أكثر المروجين لها، وحلقة وصل بين الصحافة الورقية وقرائها. كان مثقفون وكتاب مغاربة وأجانب يترقبون قدومه صباحًا إلى مقاهي طنجة العريقة، حيث كانوا يتابعون من خلاله ما تنشره الجرائد والمجلات المغربية والأجنبية.

عبد القادر العاقل

ويسترجع عبد القادر، بمرارة وحنين، مرحلة ازدهار الصحافة الورقية، حين كانت الجرائد المغربية مثل العلم والاتحاد الاشتراكي ولو جورنال دو طنجي ولوبوتي ماروكان تُباع بثمن 30 فرنكًا، بينما كانت جريدة إسبانية أسبوعية تصدر بطنجة في ستينيات القرن الماضي تُباع بدرهم و20 سنتيمًا، وهو ما كان يدر عليه دخلًا أفضل، خصوصًا مع رواج المجلات الأجنبية، قبل أن تختفي المنشورات الإنجليزية والمصرية من السوق.

اليوم، تغيّر كل شيء. يقول عبد القادر إن الناس لم يعودوا ينتبهون إليه. العيون مشدودة إلى الهواتف الذكية، ورواد المقاهي يقرؤون الصحف بالمجان، وبعض زبنائه القدامى يمنحونه ثمن الجريدة دون أن يفتحوها، فيما ظهر قرّاء جدد يكتفون بتصفح العناوين قبل اتخاذ قرار الشراء.

الثورة الرقمية لم تضرب الصحافة الورقية فقط، بل أصابت أيضًا من عاشوا منها. يختصر عبد القادر وضع المهنة بعبارة شعبية موجعة: “يا حسرة… مشا الرواج”. فقد تراجع دخله اليومي من 100 درهم إلى حوالي 50 درهمًا، وانخفضت نسبة أرباح التوزيع من 10 في المائة إلى 5 في المائة، دون أن يدفعه ذلك إلى الاستسلام.
رغم كل الصعوبات، لا يزال عبد القادر يتأبط الصحف كل صباح، بحثًا عن رزق حلال، وإصرارًا على الحفاظ على كرامته، وإعالة أسرته المكونة من سبعة أبناء، أكبرهم في الثانية والثلاثين من العمر، وأصغرهم في العشرين.

وفي لحظة اعتراف مستحقة، جرى مساء الجمعة 24 يناير الجاري تكريم عبد القادر العاقل من طرف بيت الصحافة، في حفل خاص نُظم على هامش تتويج الفائزين بالجائزة الكبرى للصحافة، تكريمًا لمسار رجل لم يكن صحفيًا، لكنه خدم الصحافة بإخلاص، وحملها على كتفيه لعقود، وظل شاهدًا حيًا على زمن كانت فيه الجريدة تُقرأ قبل أن تُلمس الشاشة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *