المغرب: عندما يتحول المقعد البرلماني إلى صمت تشريعي… تمثيلية بلا أثر وكلفة باهظة على دافعي الضرائب

الوطن24/ الرباط
في الأنظمة الديمقراطية، لا تُقاس قيمة النائب البرلماني بعدد الأصوات التي حصل عليها في يوم الاقتراع، بل بحجم الأثر التشريعي والرقابي والتنموي الذي يتركه داخل المؤسسة التشريعية وخارجها. وفي المغرب، حيث يراهن الدستور على برلمان قوي يوازن عمل السلطة التنفيذية ويساهم في تجويد السياسات العمومية، يطرح غياب الأداء البرلماني لبعض النواب إشكالاً حقيقياً حول جدوى التمثيلية السياسية، ليس فقط من زاوية الديمقراطية، بل أيضاً من زاوية الكلفة المالية التي يتحملها المواطن.
ويزداد هذا الإشكال حدة حين يتعلق الأمر بنائب برلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد غريب، عضو في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، وهي من أكثر اللجان حساسية داخل البرلمان المغربي، بالنظر إلى طبيعة القوانين التي تناقشها، والتي تمس بشكل مباشر حقوق المواطنين وحرياتهم، وتنظم الولوج إلى العدالة، وتحدد فلسفة العقاب والسياسة الجنائية للدولة.
منذ بداية الولاية التشريعية الحالية، يسجل المتتبعون غياباً شبه تام لهذا النائب عن مختلف الآليات الدستورية المتاحة له. فلا أسئلة شفوية أو كتابية وُجهت إلى الحكومة، ولا أسئلة شهرية موجهة إلى رئيس الحكومة حول السياسات العمومية، ولا مشاركة في المهام الاستطلاعية. كما يغيب عن النقاشات الجوهرية داخل لجنة العدل، سواء في المناقشة العامة أو التفصيلية لمشاريع قوانين كبرى أثارت اهتمام الرأي العام الوطني والدولي.
مشاريع مصيرية مثل المسطرة المدنية، المسطرة الجنائية، قوانين العقوبات البديلة، قانون العدول، وقانون المفوضين القضائيين، مرت داخل اللجنة دون تسجيل أي أثر تشريعي يُذكر لهذا النائب. وهو ما يعني عملياً أن دائرة انتخابية بأكملها حُرمت من صوتها داخل نقاشات ترسم ملامح العدالة في المغرب لسنوات قادمة.
لكن الإشكال لا يقف عند حدود الغياب السياسي فقط، بل يمتد إلى العبء المالي. فالنائب البرلماني في المغرب يتقاضى تعويضات شهرية، ويستفيد من امتيازات متعددة تشمل التغطية الاجتماعية، والتنقل، والتقاعد، وهي كلها تُموَّل من المال العام. وعندما يقابل هذا الإنفاق العمومي بغياب شبه كلي للأداء التشريعي والرقابي، فإن الأمر يتحول إلى هدر صريح لأموال دافعي الضرائب، ويطرح سؤال النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
رقابياً، يؤدي هذا الغياب إلى إفراغ مبدأ مراقبة الحكومة من مضمونه، ويُضعف التوازن بين السلط، ويحول البرلمان إلى مؤسسة تتحمل كلفة مالية عالية دون مردودية سياسية أو مؤسساتية واضحة. كما يساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، خاصة في سياق اجتماعي واقتصادي يتطلب ترشيد النفقات العمومية وتوجيهها نحو الأولويات التنموية.
أما على المستوى الترابي، وخاصة الدائرة التشريعية سوق أربعاء الغرب، فإن انعكاسات هذا الغياب تتجلى في ضعف الترافع عن القضايا المحلية وتاثيراته السلبية على القضايا المحلية لثلاثة عشرة جماعة ترابية تتواجد داخل النفوذ الترابي التشريعي لمنطقة الغرب بما فيها جماعة سيدي محمد لحمر التي يرأسها هذا النائب البرلماني حيث يغيب الضغط من أجل إدماج المنطقة في البرامج التنموية الوطنية، وربط التشريع بالإكراهات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها الساكنة. فالنائب البرلماني ليس مجرد كلفة على الميزانية العامة، بل يفترض أن يكون استثماراً سياسياً يعود بالنفع على المجال الذي يمثله.
إن هذا الوضع يطرح سؤالاً مشروعاً: ما الجدوى من الانتخاب، إذا كان التفويض الشعبي لا يُترجم إلى فعل تشريعي أو رقابي أو تنموي، في مقابل كلفة مالية باهظة يؤديها المواطن المغربي؟ فالانتخاب، كما ينص الدستور المغربي، هو آلية لخدمة الصالح العام وتحسين الأداء الحكومي، لا مجرد وسيلة للتموقع داخل مؤسسة تموَّل من المال العام دون مردود ملموس.
ويترجم هذا الغياب المزمن لهذا النائب عن الدور التشريعي والرقابي المنوط به، والملزم له في إطار التعاقد القانوني القائم على التمثيلية البرلمانية، أزمة نجاعة حقيقية تنعكس بشكل مباشر على أداء الجماعات الترابية. وهي جماعات تعيش، في جزء منها، تحت وطأة اختلالات تدبيرية مستمرة، واستفحال ممارسات تسيء إلى الحكامة الجيدة على مختلف المستويات. كما يفسَّر هذا الوضع بحالة من الانغلاق السياسي المحلي، حيث تُسجَّل هيمنة عائلية متوارثة على مفاصل التسيير داخل عدد من الجماعات الترابية بإقليم القنيطرة، ما أدى إلى محاصرة آليات التداول الديمقراطي، وتفويت فرص تنموية حقيقية كان من شأنها تحسين أوضاع الساكنة وتعزيز العدالة المجالية.
إن إعادة الاعتبار للعمل البرلماني في المغرب تمر حتماً عبر مساءلة الأداء، وربط التعويضات بالنجاعة، وفتح نقاش عمومي مسؤول حول دور النواب داخل اللجان الدائمة، خاصة تلك التي تمس جوهر الحقوق والحريات. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل أيضاً بمدى احترام المال العام، وبوفاء المنتخبين للثقة التي منحها لهم الشعب المغربي.
