المغرب وإسبانيا أمام اختبار التاريخ والجغرافيا: حدود الدبلوماسية وأسس الشراكة المستقبلية

ليس من السهل أن يكون المغرب وإسبانيا مجرد دولتين متجاورتين تجمعهما حدود بحرية ومصالح اقتصادية وأمنية متبادلة؛ فالجغرافيا هنا ليست مجرد موقع، والتاريخ ليس مجرد ذاكرة، والحدود ليست مجرد خطوط مرسومة على الخرائط.

إنهما دولتان تفصل بينهما مسافة قصيرة جدًا، وتجمعهما في الوقت نفسه مساحات واسعة من المصالح المشتركة والتداخل الإنساني والاقتصادي والأمني، بينما يظل الماضي حاضرًا في خلفية العلاقة، خصوصًا في قضايا سبتة ومليلية والمجالات البحرية والهجرة والذاكرة التاريخية.

ومن هنا فإن كل أزمة بين الرباط ومدريد سرعان ما تتجاوز حدودها الثنائية لتصبح جزءًا من معادلة متوسطية وأوروبية ومغاربية وأفريقية أوسع.

ولعل التطورات الأخيرة تؤكد ذلك بوضوح. فقد أعادت أزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة في يوليوز 2026، وما رافقها من توتر سياسي وأمني، قضية الحدود والهجرة والسيادة إلى قلب النقاش المغربي الإسباني. وفي المقابل، لم تختفِ المصالح المشتركة التي تجعل التعاون ضرورة لا خيارًا، سواء في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر أو تدبير الهجرة أو التجارة أو الأمن أو الاستعداد للاستحقاقات المشتركة المقبلة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من سؤال الأزمة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية:

كيف يمكن للمغرب وإسبانيا الانتقال من علاقة تتأرجح بين التعاون الضروري والخلافات التاريخية والجيوسياسية إلى شراكة استراتيجية مستقرة، مع بقاء قضايا الهجرة والحدود وسبتة ومليلية والصحراء المغربية وتشابك الاصطفافات الإقليمية والدولية عناصر ضغط مستمرة على العلاقة الثنائية؟

ويتفرع عن ذلك عدد من الأسئلة:

الجغرافيا هي نقطة البداية.

المغرب ليس جارًا بعيدًا لإسبانيا، بل هو الجار الأقرب في جنوب المتوسط، وإسبانيا هي البوابة الأوروبية الأقرب إلى المغرب.

وهذا القرب أنتج مفارقة استراتيجية:

كلما اقترب البلدان جغرافيًا ازدادت حاجتهما إلى التعاون، وكلما اقتربت مصالحهما من الملفات السيادية ازدادت احتمالات الاحتكاك.

المضيق لا يفصل المغرب عن أوروبا فقط؛ بل يربط ضفتي المتوسط.

ومن هنا تكتسب العلاقات المغربية الإسبانية بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية إلى الأمن الأوروبي، والهجرة، والتجارة، والطاقة، والموانئ، والأمن البحري، ومحاربة الجريمة المنظمة والإرهاب.

وقد أظهرت التجربة أن التعاون في هذه الملفات يمكن أن يكون فعالًا عندما تتوفر الإرادة السياسية وآليات التنسيق. كما أن إسبانيا نفسها تعتبر الهجرة تحديًا مشتركًا مع المغرب ودول المغرب العربي، وتؤكد على مقاربة تقوم على الهجرة النظامية والآمنة والمنظمة.

لكن الجغرافيا نفسها تنتج نقطة التوتر الأكثر حساسية: سبتة ومليلية.

لا يمكن فهم العلاقة المغربية الإسبانية دون استحضار التاريخ.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التاريخ من مجال للذاكرة والدراسة إلى أداة لإدارة الحاضر.

فالمغرب ينظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما جزءًا من قضايا السيادة الوطنية التي لم تُحسم تاريخيًا، بينما تعتبرهما إسبانيا جزءًا من ترابها الوطني، وترفض إدراج السيادة عليهما في مفاوضات مع المغرب.

وقد ظهر هذا التباين مجددًا في أغسطس 2026 بعد تصريحات مغربية أعادت قضية المدينتين إلى الواجهة، فقوبلت برفض إسباني صريح لأي تفاوض حول السيادة.

وهنا ينبغي التمييز بين مستويين:

وهذا من الصعب اختزاله في تسوية سريعة.

وهذا مجال واسع يمكن أن تبدأ منه الدبلوماسية.

فالسيادة قد تكون موضوع خلاف، لكن الأمن والتجارة وحركة الأشخاص ومكافحة الجريمة والهجرة وحماية الأرواح والتعاون الاقتصادي كلها ملفات يمكن إدارتها حتى في ظل استمرار الخلاف السياسي.

وهذا يقود إلى قاعدة مهمة:

ليس مطلوبًا من الدبلوماسية أن تحل كل الخلافات دفعة واحدة؛ أحيانًا يكون نجاحها الحقيقي في منع الخلاف من تدمير ما يمكن التعاون بشأنه.

الهجرة هي أكثر الملفات قابلية للانفجار.

فهي في ظاهرها قضية حدود، لكنها في العمق نتاج عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية وديموغرافية وإقليمية.

وقد أثبتت أزمة سبتة الأخيرة أن أي اضطراب في هذا الملف يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى أزمة إنسانية وأمنية وسياسية ودبلوماسية في آن واحد.

وقد شهدت سبتة في أواخر يوليوز 2026 موجة دخول جماعي ضخمة، فيما ارتبط جزء من التحرك بإشاعات ومعلومات مضللة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يضيف إلى معادلة الهجرة التقليدية عنصرًا جديدًا: الهجرة المدفوعة بالفضاء الرقمي.

وهنا ينبغي أن يتغير التفكير.

فلا يمكن أن تكون المعالجة مجرد:

حراسة الحدود ← منع العبور ← إعادة المهاجرين.

بل ينبغي بناء منظومة متكاملة تشمل:

  • محاربة شبكات الاتجار بالبشر.
  • مكافحة التضليل الرقمي الذي يدفع الناس إلى المخاطرة.
  • توسيع مسارات الهجرة القانونية.
  • تعزيز العودة الطوعية.
  • حماية القاصرين.
  • معالجة جذور الهجرة الاقتصادية والاجتماعية.
  • تطوير التعاون المغربي الإسباني الأوروبي.
  • وعدم تحويل الإنسان المهاجر إلى مجرد رقم أمني.

لقد أثبتت التجربة أن التعاون المغربي الإسباني في مكافحة شبكات الهجرة غير النظامية والهجرة الدائرية يمكن أن يحقق نتائج ملموسة.

لكن المطلوب هو الانتقال من إدارة التدفقات إلى إدارة أسباب التدفقات.

الدبلوماسية مهمة، لكنها ليست سحرًا.

فثمة ملفات يمكن للدبلوماسية أن تخفف توترها، وملفات يمكنها أن تديرها، وملفات أخرى تحتاج إلى تحولات أعمق في البيئة الإقليمية والدولية.

ولهذا فإن أكبر خطأ استراتيجي هو تحميل الدبلوماسية أكثر مما تستطيع.

الدبلوماسية تستطيع:

  • بناء قنوات الحوار.
  • منع سوء الفهم.
  • إنتاج التفاهمات.
  • إدارة الأزمات.
  • فصل الملفات عن بعضها.
  • إنشاء آليات للإنذار المبكر.
  • حماية المصالح المشتركة.

لكنها لا تستطيع وحدها إزالة التناقضات المرتبطة بالسيادة أو إعادة كتابة التاريخ.

ومن هنا فإن الواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بوجود ملفات مؤجلة لا ملفات منسية.

وهذه نقطة جوهرية:

تأجيل الخلاف ليس خيانة للموقف، كما أن الإصرار على حله الفوري ليس بالضرورة انتصارًا للدبلوماسية.

قد يكون التأجيل المنظم، في بعض القضايا، هو الطريق الأكثر عقلانية لحماية المستقبل.

أصبحت قضية الصحراء المغربية عنصرًا مهمًا في بناء العلاقة المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة.

وقد شهد الموقف الإسباني تحولًا واضحًا منذ إعلان مدريد في 2022 اعتبار المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسًا جديًا وواقعيًا وذي مصداقية للحل. كما أعادت الحكومتان تأكيد هذا الموقف في إطار اجتماع اللجنة العليا المغربية الإسبانية في ديسمبر 2025.

وهذا التحول لم يكن منفصلًا عن إعادة بناء العلاقات الثنائية.

لكنه في الوقت نفسه جعل العلاقة أكثر ارتباطًا بالتوازنات الإقليمية، خصوصًا في ظل المنافسة المغربية الجزائرية، والتحولات في الساحل، والتنافس على النفوذ في أفريقيا، والتغيرات المتسارعة في السياسة الأوروبية والدولية.

وهنا تظهر قاعدة أخرى:

العلاقة المغربية الإسبانية لا تُصنع في الرباط ومدريد وحدهما؛ إنها تتأثر أيضًا بما يحدث في الجزائر وأوروبا والساحل والأطلسي والشرق الأوسط والعالم.

لم تعد العلاقات الثنائية تُدار داخل نظام دولي مستقر.

العالم يتحول نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، وتتصاعد المنافسة الجيوسياسية، وتتشابك ملفات الطاقة والأمن والغذاء والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والهجرة.

وهذا التحول يمنح المغرب أهمية استراتيجية متزايدة بالنسبة إلى أوروبا، كما يمنح إسبانيا أهمية خاصة للمغرب باعتباره جارًا جنوبيًا وشريكًا اقتصاديًا وأمنيًا.

لكن المغرب من جهته لم يعد يريد أن يكون مجرد حارس للحدود الأوروبية.

وهنا يجب أن تنتقل العلاقة من منطق:

“المغرب يمنع الهجرة مقابل الدعم الأوروبي”

إلى منطق أكثر توازنًا:

“المغرب وإسبانيا وأوروبا شركاء في بناء فضاء متوسطي آمن ومزدهر.”

وهذا التحول ضروري حتى لا تتحول الهجرة إلى عملة سياسية دائمة في العلاقات.

العلاقات المغربية الإسبانية تملك عناصر تجعلها مؤهلة لشراكة تاريخية:

والاستحقاقات الرياضية المشتركة، ومنها كأس العالم 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

وقد أظهرت الاجتماعات الحكومية العليا الأخيرة أن البلدين يمتلكان بالفعل آليات مؤسساتية للحوار، وأن التعاون يشمل التجارة والاستثمار والأمن والهجرة وقضايا إقليمية ودولية متعددة.

لكن الانتقال إلى الشراكة الاستراتيجية يحتاج إلى شيء أكبر من كثرة الاجتماعات:

يحتاج إلى قواعد لإدارة الاختلاف.

إن أزمة المغرب وإسبانيا ليست أزمة حدود فقط، وليست أزمة هجرة فقط، وليست أزمة تاريخ فقط.

إنها أزمة مركبة تتقاطع فيها:

الجغرافيا مع التاريخ، والسيادة مع المصالح، والهجرة مع الأمن، والحدود مع الاقتصاد، والسياسة الثنائية مع التوازنات الإقليمية والدولية.

ولهذا فإن البحث عن حل واحد ونهائي لجميع الملفات غير واقعي.

الحل الأكثر عقلانية هو بناء هندسة للعلاقة تسمح بالتعاون حيث يمكن التعاون، وبإدارة الخلاف حيث يستمر الخلاف، وبإبقاء الملفات السيادية الكبرى ضمن قنوات سياسية هادئة لا تسمح بتحولها إلى أزمات متكررة.

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: عودة دورات الأزمة

يتجدد التوتر كلما ظهرت أزمة هجرة أو قضية حدودية أو خلاف سياسي.

وهذا السيناريو هو الأسهل، لكنه الأكثر كلفة على البلدين.

السيناريو الثاني: التعايش البراغماتي

تبقى الخلافات الكبرى قائمة، خصوصًا حول قضايا السيادة، لكن يتم احتواؤها عبر التعاون الاقتصادي والأمني والهجرة.

وهذا سيناريو ممكن، لكنه يظل هشًا.

السيناريو الثالث: الشراكة الاستراتيجية الناضجة

وهو السيناريو الأفضل.

وفيه لا يشترط البلدان حل جميع الخلافات قبل التعاون، بل يؤسسان لعلاقة تقوم على:

الاختلاف المنظم + المصالح المشتركة + الحوار الدائم + احترام السيادة + عدم استخدام الملفات الحساسة للضغط المتبادل.

وهذا هو السيناريو الذي ينبغي أن تعمل عليه الرباط ومدريد.

أولًا: إنشاء آلية مغربية إسبانية دائمة لإدارة الأزمات، تعمل خارج منطق ردود الفعل وتضم الدبلوماسية والأمن والهجرة والداخلية والاقتصاد.

ثانيًا: فصل الملفات قدر الإمكان. فلا ينبغي أن يؤدي خلاف في قضية سيادية إلى تعطيل التعاون في مكافحة الإرهاب أو الهجرة أو التجارة.

ثالثًا: وضع بروتوكول خاص بالأزمات الحدودية والإنسانية يمنع تكرار مشاهد الفوضى، ويضمن حماية الأرواح وحقوق القاصرين.

رابعًا: تحويل الهجرة من ملف أمني إلى شراكة تنموية تشمل الهجرة النظامية والتكوين والتشغيل والاستثمار.

خامسًا: إطلاق حوار هادئ وطويل الأمد حول القضايا التاريخية والسيادية دون اشتراط نتائج فورية.

سادسًا: تعزيز البعد الأوروبي للعلاقة. فالمعادلة لم تعد مغربية إسبانية فقط، بل مغربية إسبانية أوروبية.

سابعًا: بناء تعاون خاص في مواجهة التضليل الرقمي الذي أصبح قادرًا على تحويل إشاعة إلى أزمة حدودية في ساعات.

ثامنًا: توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري حتى تصبح المصالح المشتركة أكبر من قدرة الأزمات على تدميرها.

تاسعًا: جعل البحر المتوسط والأطلسي مجالًا للتعاون لا للمنافسة فقط، خصوصًا في الأمن البحري والطاقة والاقتصاد الأزرق.

عاشرًا: اعتماد مبدأ استراتيجي واضح:

«لا ينبغي أن يكون المطلوب من المغرب وإسبانيا أن يتفقا على كل شيء؛ المطلوب أن يتعلما كيف يختلفان دون أن تتحول خلافاتهما إلى أزمات.»

المغرب وإسبانيا لا يملكان ترف الجغرافيا.

ولا يستطيع أي منهما تغيير موقع الآخر على الخريطة.

ولا يستطيع التاريخ أن يختفي، كما لا تستطيع المصالح أن تنتظر.

ولهذا فإن المستقبل لا يحتاج إلى نسيان الماضي، بل إلى تحرير المستقبل من أن يكون رهينة للماضي.

ستظل سبتة ومليلية سؤالًا تاريخيًا وسياديًا مفتوحًا في الوعي المغربي، وستظل إسبانيا متمسكة بموقفها من سيادتهما. وقد أكدت مدريد في الأزمة الأخيرة أن هذا الملف غير قابل للتفاوض من وجهة نظرها.

لكن بين الموقفين مساحة واسعة تستطيع السياسة أن تتحرك فيها.

إن قوة المغرب المستقبلية ليست في تحويل كل خلاف إلى مواجهة، كما أن قوة إسبانيا ليست في الاعتقاد بأن الملفات التاريخية يمكن أن تبقى خارج الزمن إلى الأبد.

القوة الحقيقية هي في القدرة على إدارة التعقيد.

ومن هنا يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة:

مرحلة لا يكون فيها البحر المتوسط حدًا يفصل المغرب عن إسبانيا، بل مجالًا يجبرهما على أن يتعاونا.

فالجغرافيا قد تكون قدرًا، لكن السياسة تستطيع أن تجعل من هذا القدر فرصة تاريخية.

والتاريخ قد يكون ذاكرة للخلاف، لكنه يستطيع أيضًا أن يصبح ذاكرة للتعايش.

أما المستقبل، فلا ينبغي أن يكون رهينة للأزمات التي ورثها البلدان من الماضي، بل مشروعًا مشتركًا يصنعه العقل السياسي قبل أن تصنعه الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *