المغـرب: إعفاء وزيرة بعـد يومين يفتح ملف المحاسبة.. من يتحمل مسؤولية التدقيق في تعيينات المسؤولين؟

الوطن24/ هيئة التحرير
في أقل من 48 ساعة، انتقل اسم ماديحة خيير من قائمة أعضاء الحكومة المغربية الجديدة إلى واجهة نقاش سياسي وإعلامي واسع، بعدما صدر بلاغ عن الديوان الملكي يفيد بقبول طلب رئيسة الحكومة إعفاءها من مهامها. وبين سرعة التعيين وسرعة الإعفاء، برزت أسئلة تتجاوز الشخص المعني إلى معايير اختيار المسؤولين، ومسؤولية الجهات المكلفة بالتدقيق، ومدى قدرة المؤسسات على حماية الثقة العامة.
ففي 16 أكتوبر 2026، جرى الإعلان عن تعيين أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، قبل أن يصدر، يوم 18 أكتوبر، بلاغ الديوان الملكي بشأن قبول طلب إعفاء ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، استناداً إلى الفصل 47 من الدستور.
غير أن البلاغ لم يعلن أسباب الإعفاء، ولم يربطه رسمياً بالوثائق التي جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي بشأن ملف يعود إلى سنة 2004. وهذه نقطة أساسية ينبغي احترامها في أي تناول صحفي مسؤول، لأن غياب التفسير الرسمي لا يمنح أحداً الحق في الجزم بأسباب القرار أو نسبة مسؤولية جنائية إلى أي طرف.
لكن عدم إعلان الأسباب لا يلغي مشروعية طرح الأسئلة بشأن الإجراءات التي سبقت التعيين، ومدى كفاية التدقيق في الملفات، وكيفية تفادي تكرار أزمات مماثلة مستقبلاً.
قضية أثارت الجدل.. والوثائق تحتاج إلى تحقق
عقب تعيين ماديحة خيير، تداولت منصات التواصل الاجتماعي وثائق وروايات قيل إنها مرتبطة بقضية تعود إلى سنة 2004، وتضمنت ادعاءات بشأن شبهات احتيال واستعمال شيكات مزورة وانتحال هوية، إلى جانب شهادة طبية قيل إنها تعود إلى الفترة نفسها.
وقد أثار تداول هذه المواد نقاشاً بشأن طبيعة الملف الأصلي، ومدى صحة الوثائق، وما إذا كانت القضية قد عُرضت على القضاء، وما انتهت إليه الإجراءات، إن وُجدت.
غير أن تداول وثيقة لا يكفي وحده لإثبات صحة مضمونها أو تحديد دلالتها القانونية. كما أن وجود شهادة طبية، حتى إذا ثبتت صحتها، لا يسمح باستنتاجات تلقائية بشأن المسؤولية الجنائية أو مآل قضية قضائية. وتظل هذه المسائل مرتبطة بمحتوى الوثائق الأصلية، والسياق الذي وردت فيه، وما قد تكون الجهات القضائية المختصة قد قررته.
كذلك، لا يتضمن بلاغ الإعفاء المعلن إشارة إلى أن هذه المواد كانت سبباً مباشراً للقرار. ومن ثم، فإن الربط بين الملف المتداول والإعفاء يظل غير محسوم في غياب توضيح موثوق.
إن واجب الصحافة هنا ليس إصدار حكم مسبق، بل التمييز بين ما ثبت رسمياً وما يحتاج إلى تحقق، وإثارة الأسئلة التي تخدم المصلحة العامة من دون المساس بحقوق الأشخاص أو تحويل التداول الرقمي إلى محكمة بديلة.
السؤال الأهم: كيف تتم مراجعة ملفات المرشحين للمناصب الحكومية؟
إن إعفاء مسؤولة بعد يومين من تعيينها يثير سؤالاً مؤسساتياً مشروعاً: ما الإجراءات المعتمدة للتأكد من المعطيات الضرورية قبل إسناد المسؤوليات الحكومية؟ وهل توجد آليات واضحة للتعامل مع المعلومات الجديدة التي قد تظهر بعد التعيين؟
لا يعني طرح هذا السؤال افتراض وجود تقصير من جهة بعينها، كما لا يسمح بتوجيه اتهام إلى أي مؤسسة أو حزب من دون أدلة. لكنه يضع مبدأ الشفافية أمام اختبار عملي، لأن المناصب العمومية ترتبط بثقة المواطنين، ومن حق الرأي العام أن ينتظر من المؤسسات أعلى درجات الحرص في الاختيار والتدقيق.
وإذا أظهرت مراجعة موثوقة أن خللاً إدارياً أو تقصيراً قد وقع، فمن الطبيعي أن تُحدَّد المسؤوليات وفق الاختصاصات والقواعد القانونية. أما إذا لم يثبت أي إخلال، فإن توضيح ذلك، بالقدر الذي يسمح به القانون، من شأنه أن يضع حداً للتكهنات ويحمي سمعة المعنيين.
فالمحاسبة الحقيقية لا تبدأ باتهام الأشخاص، بل بفحص الإجراءات، وتحديد ما كان معروفاً، ومتى أصبح معروفاً، وما إذا كانت القواعد المعمول بها قد احترمت.
من الحكومة إلى البرلمان.. معيار واحد للمسؤولية العامة
لا ينبغي أن يقتصر النقاش على التعيينات الحكومية وحدها. فالجدل يعيد إلى الواجهة سؤالاً أوسع بشأن معايير النزاهة والاستحقاق والتدقيق في مختلف مواقع المسؤولية العامة، بما فيها المؤسسات المنتخبة.
وتتداول الأوساط العامة من حين إلى آخر ادعاءات بشأن وجود منتخبين أو برلمانيين في وضعيات قضائية مختلفة. لكن هذه المسائل لا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع ثابتة من دون التحقق من أسماء المعنيين، وطبيعة الملفات، ومراحلها، والقرارات الصادرة بشأنها.
ومن الضروري التمييز بين الشكاية والبحث والمتابعة القضائية والحكم غير النهائي والحكم النهائي، فهذه أوضاع قانونية مختلفة، ولا تترتب عنها الآثار نفسها. كما أن مجرد وجود متابعة قضائية لا يعني تلقائياً فقدان الأهلية الانتخابية، إذ تخضع شروط الترشح والاستمرار في المنصب للمقتضيات القانونية ذات الصلة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يُفهم الفوز بمقعد انتخابي أو تولي مسؤولية مؤسساتية على أنه إعفاء من تطبيق القانون. فإذا ظهرت معطيات جدية وموثقة بشأن مخالفة انتخابية أو فساد أو أي فعل مجرّم، فإن الجهة المختصة هي التي ينبغي أن تفحصها وفق الإجراءات القانونية، مع ضمان حقوق الدفاع وقرينة البراءة.
أما ما يُثار بشأن بعض المسؤوليات البرلمانية أو وقائع يُشار إليها بتعابير متداولة، فلا يصح تحويله إلى اتهام محدد قبل معرفة الوقائع والوثائق والقرارات ذات الصلة.
إن المعيار الذي يحمي المؤسسات هو نفسه في جميع الحالات: لا اتهام بلا سند موثوق، ولا استثناء من القانون بسبب الموقع، ولا إدانة خارج المسار القضائي.
ماديحة خيير تثير الأسئلة: ما خلفيات القرار ومن يتحمل المسؤولية؟
إن إعفاء ماديحة خيير بعد يومين فقط من تعيينها يطرح أسئلة تتجاوز القرار في حد ذاته: ما الأسباب الحقيقية وراء هذه الخطوة؟ وما المعطيات التي أحاطت بها؟ وهل ظهرت مستجدات بعد التعيين، أم أن الأمر يستدعي مراجعة مسار الاختيار والتدقيق الذي سبقه؟
أسئلة مشروعة تنتظر توضيحاً مسؤولاً، خاصة أن بلاغ الإعفاء لم يعلن أسبابه، ولا يجوز ملء هذا الفراغ بالتكهنات أو اعتبار الروايات المتداولة حقائق محسومة.
إن المسألة أعمق من إعفاء وزيرة؛ فهي اختبار لمدى ترابط المسؤولية بالمحاسبة، ولمصداقية آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات. فالمسؤولية السياسية والمؤسساتية لا ينبغي أن تنحصر في الشخص الذي غادر المنصب، بل يتعين، عند ظهور معطيات جدية، فحص المسار الذي أفضى إلى تعيينه، والتحقق من مدى احترام إجراءات التدقيق، وتحديد مسؤولية كل جهة ضمن حدود اختصاصها، إذا ثبت وجود تقصير أو إخلال.
فليس الهدف البحث عن كبش فداء، ولا توجيه اتهامات مسبقة إلى أي طرف، وإنما ضمان ألا تنتهي مثل هذه الوقائع بقرار إعفاء يترك الأسئلة الجوهرية معلقة. وإذا أظهر التدقيق أن خللاً وقع في مراحل الاختيار أو التحقق، فإن تحديد المسؤوليات ينبغي أن يستند إلى الأدلة والقانون، أياً كانت المواقع أو الانتماءات. أما إذا لم يثبت أي تقصير، فمن حق المعنيين والرأي العام معرفة ذلك عبر توضيح مسؤول يحترم القانون وحقوق جميع الأطراف.
فالمحاسبة الحقيقية لا تبدأ عند مغادرة المسؤول لمنصبه، بل تمتد إلى فحص القرارات والإجراءات التي أوصلته إليه، متى وجدت أسباب جدية تستدعي ذلك.
التدقيق في التعيينات.. مدخل أساسي لإصلاح الإدارة المغربية
إن مراجعة آليات التدقيق والتحقق قبل إسناد المسؤوليات الحكومية والإدارية لم تعد مجرد إجراء شكلي، بل أصبحت ضرورة مؤسساتية تفرضها متطلبات الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وينبغي أن يشمل هذا النقاش، وفقاً للقانون والاختصاصات المحددة لكل جهة، التعيينات الحكومية والإدارية، بما فيها الكتابات العامة والمديريات والدواوين الوزارية وغيرها من مواقع التكليف التي تترتب عنها مسؤوليات في تدبير الشأن العام.
ويقتضي هذا المسار اعتماد معايير واضحة وشفافة للتحقق من المؤهلات والمسارات المهنية، وفحص ما تسمح به القوانين من معطيات ذات صلة بالنزاهة وتضارب المصالح والوضعيات المالية عند الاقتضاء، مع احترام الحياة الخاصة وقرينة البراءة والحقوق القانونية للأشخاص المعنيين.
فالغاية ليست إطلاق أحكام مسبقة أو التشكيك في ذمم المسؤولين، وإنما ضمان أن يستند إسناد المسؤوليات إلى الكفاءة والاستحقاق والنزاهة، وأن تتم معالجة كل شبهة جدية وفق المساطر القانونية، مع ترتيب المسؤوليات متى ثبتت المخالفات بالأدلة.
ومن هنا تبدأ الخطوة الأولى نحو إصلاح الإدارة المغربية: الانتقال من التدبير القائم على الثقة غير المدققة إلى منظومة مؤسساتية تقوم على التحقق والشفافية والمساءلة، والتصدي لكل أشكال التحايل والتلاعب والفساد متى ثبتت، ووضع حد لما يمكن وصفه بـ«القرصنة التدبيرية»، أي استغلال مواقع المسؤولية أو ثغرات الإدارة لتحقيق مصالح غير مشروعة.
فإصلاح الإدارة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحده، بل ببناء قواعد تمنع الاختلالات، وتكشفها عند وقوعها، وتضمن تطبيق القانون على الجميع دون انتقائية أو استثناء.
الحكومة الجديدة أمام امتحان الثقة
تواجه الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري فرصة لإظهار أن الشفافية ليست شعاراً، وأن مراجعة القرارات وتصحيح الاختلالات، عند ثبوتها، جزء من المسؤولية السياسية والمؤسساتية.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بإدانة مسؤولة سابقة أو توجيه اتهامات إلى مسؤولين آخرين، بل بتوضيح ما يمكن توضيحه من الملابسات، والتحقق من المعلومات التي تستدعي الفحص، وضمان أن تكون معايير اختيار المسؤولين واضحة ومتسقة.
فالمواطن المغربي يريد أن يعرف كيف تُختار الكفاءات، وما الإجراءات التي تحمي المؤسسات من الأزمات المفاجئة، وكيف تُعالج الملفات التي تثير أسئلة جدية، وهل توجد ضمانات كافية لتطبيق القانون على الجميع.
إن قضية إعفاء ماديحة خيير بعد يومين من تعيينها تطرح، بهذا المعنى، سؤالاً يتجاوز القرار نفسه: كيف يمكن تحويل واقعة أثارت الجدل إلى فرصة لتعزيز الشفافية وتحسين آليات التدقيق، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات والتكهنات؟
المحاسبة تبدأ بالحقيقة
إن قوة المؤسسات لا تُقاس بغياب الأخطاء فقط، بل بقدرتها على التعامل معها بوضوح ومسؤولية، والتحقق من الوقائع، وتصحيح الاختلالات، وحماية الحقوق في الوقت نفسه.
ومن حق الرأي العام أن يطالب بتوضيح مسؤول للقرارات التي تثير أسئلة مشروعة، ومن حق كل شخص معني أن تُحترم سمعته وحقوقه وألا يُدان إعلامياً قبل ثبوت الوقائع وفق القانون.
لذلك، فإن المطلوب اليوم هو تدقيق مؤسساتي جاد في الإجراءات التي سبقت التعيين، والتحقق من أي معطيات موثوقة ذات صلة، والتعامل بالمعايير القانونية نفسها مع الملفات التي تستدعي الفحص، سواء تعلقت بمسؤول حكومي أو منتخب أو أي شخص يتولى مسؤولية عامة.
وفي المحصلة، فإن الرهان لا يتعلق بشخص غادر منصبه فحسب، بل بمدى قدرة المؤسسات المغربية على تحويل الأسئلة المشروعة إلى فرصة لمراجعة الإجراءات وتحصين القرار العمومي من الاختلالات المحتملة.
ففي المغرب، كما في أي دولة تسعى إلى تعزيز الثقة في مؤسساتها، ينبغي أن تكون القاعدة واضحة: المسؤولية تكليف، والشفافية واجب، والمحاسبة لا تكون انتقائية، وقرينة البراءة لا يجوز تجاوزها.
