المغـرب: التعاون الوطني بين تخمة القوانين وندرة الموارد المالية.

الوطن 24/ خاص
مدخل حول الدولة الاجتماعية
يتردد كثيراً في الخطاب الرسمي والحكومي المغربي مصطلح “الدولة الاجتماعية”، بوصفه الإطار العام الذي يُفترض أن يؤطر كل المبادرات والسياسات ذات البعد الاجتماعي، بهدف النهوض بالفئات الهشة والمقصية وضمان الحق في العيش الكريم لكل المواطنين. هذا الطموح، وإن بدا منسجماً مع تطلعات الشعب المغربي، إلا أنه يظل في نظر العديد من المتابعين حبراً على ورق، ما دام الواقع اليومي يشي باتساع دائرة الفقر والهشاشة، وعجز البرامج المعلنة عن تطويق الظواهر الاجتماعية المتفاقمة.
ندرة الإنفاق تهدد المشاريع الاجتماعية بالفشل
رغم تعدد المبادرات والتشريعات والبرامج، إلا أن واقع الحال يكشف عن هوة شاسعة بين الخطاب والممارسة. فالفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة لا تلمس أثراً مباشراً للوعود الحكومية، والسبب يعود في كثير من الأحيان إلى ضعف التمويل وغياب الاستمرارية في الالتزامات المالية. في هذا السياق، يُطرح التعاون الوطني بوصفه الجهاز العمومي المسؤول عن تنفيذ السياسات الاجتماعية، غير أن محدودية موارده المالية والهيكلية تحول دون تحقيق الأثر المرجو.
التعاون الوطني وكثرة التعقيدات وصعوبة التقيد المالي اتجاه الشركاء
تخضع مديرية التعاون الوطني لوصاية وزارة التضامن والأسرة والإدماج الاجتماعي، وتعمل ضمن تراتبية إدارية معقدة تنطلق من الوزارة مروراً بالمديريات المركزية والجهوية وانتهاءً بالمندوبيات الإقليمية. هذه البنية التنظيمية تعاني من تضخم تشريعي وإجرائي يثقل كاهل الفاعلين الميدانيين، سواء من داخل القطاع أو من شركائه في المجتمع المدني، خاصة الجمعيات المشرفة على مراكز الرعاية الاجتماعية. وتشكل القيود المسطرية الكثيفة عقبة حقيقية أمام مرونة الأداء، في ظل هشاشة واضحة في صرف الدعم والتأخر في الوفاء بالالتزامات المالية تجاه الشركاء.
الميزانية الحكومية المعتمدة لا تعكس مفهوم الدولة الاجتماعية
في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات كبيرة من قبيل “دولة الرعاية الاجتماعية”، تبقى الميزانيات المرصودة دون مستوى الطموحات، ما يثير تساؤلات جوهرية حول صدقية التوجه الرسمي. إذ من غير المنطقي، وفق الفاعلين في الميدان، أن تُعهد مهام كبرى لقطاع اجتماعي حساس دون أن يُرفق ذلك بتمويل ملائم، مما يضعف قدرة الجمعيات والمراكز على مواصلة العمل ويعرض استدامة المشاريع للخطر، ويقود في نهاية المطاف إلى فشل مؤسسات التعاون الوطني في أداء دورها.
أزمة الالتزام تجد بديلها في استراتيجية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتحقيق أهداف الدولة الاجتماعية
في ظل هذه الوضعية المتأزمة، تبرز المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كنموذج ناجح نسبياً في تدبير العمل الاجتماعي. فمنذ تأسيسها، استطاعت المبادرة أن تملأ فراغات كثيرة تركها التعاون الوطني، سواء من حيث رصد ميزانيات مهمة أو من حيث نجاعة الإنجاز. لقد أثبتت التجربة أن هذه المبادرة تملك من المرونة والكفاءة والتمويل ما يجعلها مؤهلة للاضطلاع بمهام أكبر، بل يدفع البعض إلى التساؤل: لماذا لا يُعهد لها بإدارة القطاع الاجتماعي برمته بدل تركه بين يدي مؤسسات عاجزة ومكبلة بالمساطر والبيروقراطية؟
خاتمة
أمام تعدد المتدخلين في القطاع الاجتماعي دون نتائج ملموسة، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة تأخذ بعين الاعتبار ضرورة ملاءمة حجم الطموح مع الموارد المخصصة. لقد أصبح من الملح تجاوز تخمة القوانين والنصوص إلى أفعال حقيقية ملموسة على الأرض، كما أن الإيمان بالدولة الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق بالشعارات فقط، بل يتطلب إرادة سياسية واضحة، وتمكين الفاعلين من الأدوات والموارد الكفيلة بتحقيق أهداف هذه الدولة. فهل تدرك الحكومة مكامن الخلل وتبادر إلى تصحيح المسار قبل أن تتحول الشعارات إلى سراب لا يلامس واقع المغاربة؟
