المغـرب: انهيار عمارة قيد الإنشاء في مراكش يكشف الثمن الحقيقي للفساد والتواطؤ

مع مطلع سنة 2026، يجد المغرب نفسه مرة أخرى أمام فاجعة تعيد طرح أسئلة ثقيلة حول سلامة البناء وحماية الأرواح. فقد شهدت مدينة مراكش انهيار عمارة من خمس طوابق كانت قيد الإنشاء، في حادث صادم أعاد إلى الواجهة ملفاً مزمناً يتعلق بالفساد، وضعف المراقبة، والتلاعب بقوانين التعمير، في واحد من أخطر القطاعات ارتباطاً بحياة المواطنين.

ورغم أن الأسباب الرسمية لانهيار العمارة لا تزال قيد التحقيق، إلا أن المؤشرات التقنية والممارسات الشائعة في قطاع البناء بالمغرب تفتح الباب أمام جملة من العوامل المحتملة، التي غالباً ما تكون متداخلة. من بينها اختلالات في التصميم الهندسي، سواء بسبب أخطاء في الحسابات الإنشائية أو لعدم ملاءمة التصميم لطبيعة التربة والأحمال المفترضة. كما يظل استعمال مواد بناء منخفضة الجودة، مثل الخرسانة غير المطابقة للمواصفات أو حديد تسليح مغشوش، عاملاً أساسياً في إضعاف البنية الإنشائية وجعلها عرضة للانهيار.

ولا يقل خطورة عن ذلك، ما يتعلق بأخطاء التنفيذ وعدم احترام التصاميم الأصلية المصادق عليها، حيث يتم أحياناً تقليص عدد الأعمدة أو تغيير مواقعها، أو إضافة طوابق دون تعزيز الأساسات، في خرق واضح للمعايير التقنية. كما أن تسريع وتيرة الأشغال، تحت ضغط الربح أو المواعيد، دون احترام المدد الزمنية الضرورية لتصلب الخرسانة ومراحل المراقبة، يساهم في خلق مبانٍ هشة، تبدو صلبة من الخارج لكنها تحمل في داخلها بذور الانهيار.

غير أن العامل الأخطر يظل مرتبطاً بالغش والتواطؤ وغياب الرقابة الصارمة. ففي المغرب، لا يمكن فصل حوادث انهيار البنايات عن ضعف المراقبة الميدانية، أو عن صمت بعض الجهات المكلفة بالتفتيش، أو عن تمرير رخص البناء في ظروف تفتقر أحياناً إلى الشفافية والمساءلة. وبعد كل فاجعة، تتكرر نفس العبارات: “فتح تحقيق” و“تحديد المسؤوليات”، لكن نادراً ما تفضي هذه التحقيقات إلى محاسبة حقيقية تطال جميع المتورطين، وهو ما يكرس ثقافة الإفلات من العقاب.

حادث مراكش يكتسي بعداً خاصاً، نظراً لمكانة المدينة كواجهة سياحية دولية للمغرب، ما يطرح تساؤلات مقلقة حول صورة البلاد في الخارج، وحول مدى التزامها بمعايير السلامة وجودة البناء، ليس فقط في المشاريع الكبرى، بل أيضاً في الأوراش العادية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين والعمال البسطاء.

إن الأرواح التي تُزهق تحت ركام الإسمنت ليست أرقاماً عابرة، بل هي الثمن الحقيقي لفساد إداري مزمن، ولتراخي في تطبيق القانون، ولتلاعب يضع الربح فوق قيمة الإنسان. وما وقع في مراكش ليس حادثاً تقنياً معزولاً، بل جرس إنذار جديد يفضح خللاً عميقاً في حكامة قطاع التعمير والبناء في المغرب.

اليوم، لم يعد كافياً الاكتفاء ببيانات التعزية أو الوعود الظرفية. ما يحتاجه المغرب هو قرارات شجاعة وإجراءات ملموسة، تقوم على تشديد المراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفرض عقوبات زجرية صارمة على كل من يثبت تورطه، مهما كان موقعه. فسلامة المواطنين ليست ملفاً ثانوياً، ولا يجب أن تبقى رهينة الإهمال والتواطؤ، لأن العدالة الحقيقية تبدأ قبل سقوط الجدران، لا بعد دفن الضحايا.