الهجرة حصيلة و آفاق

الوطن 24/ بقلم: مصطفى شكري
في الوقت الذي ينصب فيه اهتمام المغرب على تدبير شؤون مواطناته و مواطنيه بالخارج، والانكباب على إعداد سياسة عمومية تستجيب لحاجياتهم وتطلعاتهم، وتوفر لهم الدعم والمؤازرة أمام ما يعترضهم من مشاكل في بلدان المهجر و ما يواجهونه من صعوبات في الاندماج، والحرص على ضمان ارتباطهم بالمغرب كوطن وهوية و قيم، عن طريق خلق وإنشاء مؤسسات دستورية تعنى بذلك، فإن موقع المغرب الجغرافي الإستراتيجي، القريب من أوروبا وطبيعة المجتمع المغربي المتسامح و المضياف جعلته نقطة جذب و مسار مفضل لدى المهاجرين الأفارقة الذين يتجمعون في غابات محيطة بمدن الشمال و الشرق و الجنوب المغربي، ترقبا لفرصة الهروب إلى أوروبا ”الفردوس الأوروبي”
غير ن عسر و شدة المراقبة على الحدود الخارجية لدول شينغن وسنها تشريعات عديدة و اتخاذها سياسة موحدة لمحاربة الهجرة و خلقها وكالات مختصة للمراقبة “فرونتكس” وتعاقدها مع دول جنوب المتوسط و الساحل وجنوب الصحراء في إفريقيا ومنها المغرب في إطار التدبير التعاوني للهجرة من أجل محاربة الهجرة غير النظامية، كل ذلك جعل المغرب يتحول إلى بلد استقبال لهؤلاء المهاجرين الأفارقة
وقد اختلفت و تعددت طرق تعامل المغرب مع الهجرة و المهاجرين و اتخدت صيغا متنوعة إما تلبية و استجابة لالتزام اتفاقي أو تعاقدي أو سياسي أو أمني أو إنساني، و قد دشن المغرب سياسته الأولى بتشديد المراقبة على سواحله في الشمال، ثم تأهيل موظفيه من الشرطة العاملة في نقط العبور و تحيين ترسانته القانونية لتواكب التغيرات و التطورات الجديدة في عالم جرائم التزوير و تأهيل فرق مكافحة الجرائم وتفكيك العصابات المتخصصة في ميدان تهريب البشر وهو أمر انعكس بشكل ايجابي على نسب الهجرة إلى أوربا.
بيد أن الجديد في السياسة المغربية تجاه الهجرة يكمن في عملية التطبيع الذي نهجها المغرب منذ يناير 2004باتخاذه قرار تسوية الوضعية الإدارية للاجئين والمهاجرين في إطار الرؤية الجديدة والشاملة للهجرة والمعبر عنها بالاستراتيجية الجديدة في ميدان الهجرة والتي عبر عنها الملك أول مرة في شتنبر 2003.
وبالرغم من الاستثناء الذي عرفته هذه المبادرة في المنطقة والتي ابانت عن شجاعة المغرب و ارتباطه بعمقه الإفريقي والتي تلتها حملة شتنبر 2016 إلا أن اتخاذ المغرب لهذه البادرة الإنسانية جعلته اليوم يعاني من تكلفة باهظة في نسيجه المجتمعي و الاقتصادي والامني، في وقت يعرف فيه المغرب احتقانا شعبيا و مطالب اجتماعية، يجد نفسه اليوم ملزما بتوفير الخدمات الأساسية لهؤلاء المهاجرين من صحة و تعليم و غيرها بل صار ملزما بإدماجهم داخل المجتمع مع الحفاظ على هويتهم و تقاليدهم، إن الالتزام الأخلاقي والانساني الذي انخرط فيه المغرب يفرض على الدول الأوروبية أن تكون شريكا حقيقيا ومساهما فعليا في التكاليف التي تتكبدها الدولة المغربية في الحد من الهجرة إلى أوربا و فسح المجال لهؤلاء المهاجرين بالاستقرار بالمغرب مع ما تكبده المغرب من إمكانيات باهظة لاستيعاب هذا الكم الهائل من المهجرين و إدماجهم في النسيج الاقتصادي والاجتماعي الوطني انسجاما مع قناعاته وامتداده الإفريقي.
