المغرب بين جيل Z الإصلاحي وجيل الهجرة… اختلاف في الدوافع وتشابه في الرسائل والنتائج

الوطن24/ بقلم: الدكتور أحمد الدرداري*

يشهد المغرب اليوم تحولات اجتماعية عميقة يقودها الشباب، في ظل متغيرات اقتصادية ورقمية وثقافية غير مسبوقة. وبينما اختار جزء من الشباب التعبير عن مطالبه من خلال الاحتجاج والمشاركة في النقاش العمومي، فضّل جزء آخر البحث عن مستقبل خارج الوطن عبر الهجرة غير النظامية، خاصة نحو مدينة سبتة المحتلة. ورغم اختلاف المسارين، فإنهما ينطلقان من واقع اجتماعي واحد، ويعكسان تطلعًا مشتركًا نحو الكرامة والعدالة والفرص.
جيل Z في المغرب… من الاحتجاج الرقمي إلى المطالبة بالإصلاح
يُعد جيل Z، الذي يضم المولودين تقريبًا بين عامي 1997 و2012، أول جيل نشأ بالكامل في البيئة الرقمية. فقد تلقى جزءًا مهمًا من معارفه وتفاعلاته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أسهم في تشكيل وعيه السياسي والاجتماعي بصورة مختلفة عن الأجيال السابقة.
ولم يعد هذا الجيل يكتفي بالتعبير عن آرائه داخل الفضاء الإلكتروني، بل أصبح أكثر استعدادًا للنزول إلى الشارع والمطالبة بالإصلاح والعدالة الاجتماعية والحق في الشغل والتعليم والعيش الكريم، مع اعتماد أساليب احتجاج أقل ارتباطًا بالأحزاب والتنظيمات التقليدية وأكثر ارتباطًا بالمبادرات الشبابية والتعبئة الرقمية.
وتعود أبرز دوافع احتجاجات جيل Z في المغرب إلى ارتفاع معدلات البطالة، وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، وغلاء المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى شعور فئة واسعة من الشباب بأن سنوات الدراسة لم تعد تضمن بالضرورة الاندماج المهني أو تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
كما أن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش يمثل أحد أبرز دوافع الاحتجاج. فجيل Z يقارن باستمرار بين أوضاعه وما يعيشه أقرانه في دول أخرى، وهو ما يزيد من حساسيته تجاه قضايا الحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص والعدالة المجالية.
وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من مجرد فضاء للتواصل، إذ تحولت إلى منصة للمراقبة المجتمعية، وصناعة الرأي العام، والتعبئة السريعة، ونقل الأحداث لحظة بلحظة، مما منح هذا الجيل قدرة كبيرة على التأثير في النقاش العمومي.
كما يتميز جيل Z باهتمامه بالقضايا الكونية، مثل التغير المناخي، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والهجرة، وهو ما يجعله أكثر انخراطًا في القضايا ذات البعد الإنساني.
ولا تختلف مطالب الشباب المغربي كثيرًا عن مطالب نظرائهم في العالم، إذ تتركز أساسًا حول تحسين جودة التعليم، وتوفير فرص الشغل، وتحقيق تكافؤ الفرص، وتعزيز الشفافية، وتوسيع فضاءات المشاركة في صنع القرار.
ويبقى نجاح السياسات العمومية في المغرب رهينًا بقدرتها على استيعاب تطلعات هذا الجيل، وإشراكه في رسم السياسات العمومية، باعتباره رأسمالًا بشريًا ورقميًا ينبغي الاستثمار فيه ضمن رؤية تنموية مستدامة.
الهجرة عبر سبتة… حين يتحول اليأس إلى قرار بالمغامرة
وعلى النقيض من الاحتجاج الإصلاحي، برزت في المغرب خلال السنوات الأخيرة موجات متزايدة من محاولات الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة، شارك فيها عدد كبير من الشباب المغربي، قبل أن تلتحق بها مجموعات من المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
ورغم أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تشكل قاسمًا مشتركًا بين المحتجين والمهاجرين، فإن قرار الهجرة تحركه أيضًا عوامل أخرى، أبرزها صورة أوروبا باعتبارها فضاءً يوفر فرصًا أفضل للحياة والعمل والاستقرار.
ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بسبب واحد، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وإعلامية، إضافة إلى نشاط شبكات الاتجار بالبشر التي تستغل السياقات الإقليمية والدولية، وتعمل على نشر الإشاعات واستغلال المناسبات الوطنية للترويج لوجود فرص سهلة للعبور، بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب.
ويواجه عدد كبير من الشباب المغربي صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل، سواء من حاملي الشهادات أو من ذوي التكوين المحدود، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية واتساع الإحساس بالفوارق الاجتماعية، وهو ما يدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل خارج الوطن.
كما يغذي الإحساس بالإحباط، إلى جانب المقارنة اليومية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنماط العيش في أوروبا، حلم الهجرة باعتبارها طريقًا مختصرًا لتحقيق النجاح، رغم أن الواقع غالبًا ما يكون أكثر تعقيدًا.
وقد لعبت المنصات الرقمية دورًا كبيرًا في تداول المعلومات المتعلقة بمواعيد ومحاولات العبور، وتحديد المسارات، والتنسيق بين المشاركين، بينما غالبًا ما يتم التقليل من حجم المخاطر القانونية والإنسانية التي قد تصل إلى فقدان الحياة أو الإعادة إلى بلد المنشأ.
وتفسر هذه الدينامية بما يعرف في علم الاجتماع بـ”العدوى الاجتماعية”، حيث يؤدي انتشار الدعوات الرقمية إلى تشجيع أعداد متزايدة من الشباب على خوض التجربة، انطلاقًا من الاعتقاد بأن التحرك الجماعي يقلل من المخاطر الفردية.
وتظل سبتة المحتلة، بحكم موقعها الجغرافي، تمثل بالنسبة إلى كثير من الشباب المغربي أقرب بوابة نحو الفضاء الأوروبي، لذلك فإن أي إشاعة أو اعتقاد بوجود تراخٍ مؤقت في المراقبة قد يؤدي إلى ارتفاع محاولات العبور خلال فترة زمنية قصيرة.
غير أن الوصول إلى سبتة لا يعني بالضرورة الوصول إلى أوروبا أو الحصول على حق الإقامة، إذ يجد كثير من الوافدين أنفسهم داخل مراكز استقبال، ويخضعون لإجراءات قانونية وإدارية قد تنتهي بالإعادة أو بطول فترات الانتظار، وفقًا للقوانين والاتفاقيات المعمول بها.
المغرب أمام تحدي الاستثمار في شبابه
تؤكد التجارب الدولية أن الهجرة غير النظامية لا يمكن معالجتها بالمقاربة الأمنية وحدها، رغم أهميتها في مكافحة شبكات تهريب البشر وحماية الحدود، بل تتطلب أيضًا الاستثمار في التنمية، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتعزيز الثقة في المستقبل، إلى جانب توسيع آليات الهجرة النظامية والتعاون الإقليمي.
إن الهجرة غير النظامية للشباب المغربي ليست مجرد حركة عبور نحو الضفة الأخرى، بل هي رسالة اجتماعية تعكس حجم التطلعات والانتظارات، وتؤكد الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر قدرة على توفير الأمل، وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وإشراك الشباب في صناعة القرار.
وفي المقابل، فإن الاحتجاجات التي يقودها جيل Z تعبر عن الرغبة في الإصلاح من داخل الوطن، بينما تعكس الهجرة غير النظامية البحث عن فرصة خارجه. ورغم اختلاف الوسيلتين، فإن الرسالة واحدة: البحث عن الكرامة والعدالة والعيش الكريم.
ويطرح هذا الواقع أيضًا سؤالًا حول دور الأحزاب السياسية وهيئات الوساطة، التي أصبح حضور بعضها لدى فئات واسعة من الشباب محدودًا أو موسميًا، وهو ما يترك فراغًا قد تستغله شبكات الاتجار بالبشر أو حملات التضليل الرقمي لاستقطاب الشباب وتوجيههم نحو خيارات محفوفة بالمخاطر.
وقد سبق لجلالة الملك محمد السادس أن دعا، في أكثر من مناسبة، الأحزاب السياسية والمنتخبين إلى الاضطلاع بأدوارهم التأطيرية والإنصات إلى انتظارات المواطنين، باعتبار أن شرعية العمل السياسي ترتبط بخدمة المواطن وتحقيق تطلعاته.
كما تبقى المقولة الشهيرة للمغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، ذات دلالة عميقة عندما قال:
“ستهاجرون إلى أوروبا، وتلتزمون بالقانون، ولا ترمون أعقاب السجائر على الأرض، وتعبرون من الأماكن المخصصة، وتحترمون النظام… ولو فعلتم كل ذلك في بلادكم لما فكرتم في الهجرة.”
إن هذه الرسالة لا تدعو إلى لوم الشباب، بقدر ما تؤكد أن بناء الوطن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والأحزاب والمجتمع والمواطن. فكلما تعززت الثقة، واتسعت فرص المشاركة، وتحسن أداء المؤسسات، تراجعت دوافع الاحتجاج اليائس والهجرة الخطرة، وأصبح مستقبل المغرب يُبنى بسواعد شبابه داخل الوطن، لا خارجه.
*أستاذ جامعي وخبير دولي في السياسات العمومية والامنية وقضايا الهجرة
