الحاجة صباح.. مغربية تجعل من منزلها في سبتة ملاذًا للمهاجرين وتعيد للإنسانية وجهها الجميل

في خضم الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، وما رافقها من محاولات عبور جماعية لمهاجرين مغاربة، برزت مشاهد متباينة عكست وجهين مختلفين للأزمة؛ فمن جهة، وثقت مقاطع مصورة اعتداءات وسلوكات عنصرية تعرض لها بعض الشباب المغاربة، أثارت موجة من الغضب والاستنكار، ومن جهة أخرى، ظهرت مبادرات إنسانية نبيلة أكدت أن قيم الرحمة والتضامن لا تزال حاضرة، وأن أفعال قلة من الأشخاص لا يمكن أن تختزل مجتمعًا بأكمله.

ومن بين أبرز هذه النماذج الإنسانية، برز اسم الحاجة صباح، وهي سيدة مغربية تقيم بمدينة سبتة، حولت منزلها إلى فضاء مفتوح لاستقبال المهاجرين المغاربة وتقديم العون لهم، في مبادرة تطوعية خالصة بعيدًا عن الأضواء أو أي انتماء لجمعية أو مؤسسة خيرية.

وبحسب شهادات متداولة على نطاق واسع، فإن الحاجة صباح، بمساعدة عدد من جاراتها، تقوم يوميًا بإعداد وتوزيع أكثر من 250 وجبة غذائية تشمل الفطور والغداء والعشاء، لفائدة المهاجرين الذين وجدوا أنفسهم في أوضاع إنسانية صعبة بعد وصولهم إلى المدينة.

ولا يتوقف عطاؤها عند توفير الطعام، بل تفتح أبواب منزلها للشباب للاستحمام وتوفير الملابس النظيفة لهم، كما تستقبل عددًا من النساء والفتيات لإيوائهن وحمايتهن من مخاطر المبيت في الشارع، في مشهد يعكس أسمى معاني التكافل والتراحم.

وليست هذه المرة الأولى التي تُعرف فيها الحاجة صباح بأعمالها الإنسانية، إذ يؤكد عدد من المغاربة أنها لعبت دورًا بارزًا خلال جائحة كورونا، عندما أغلقت الحدود والمعابر، حيث قدمت المساعدة للعديد من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم عالقين بمدينة سبتة، وظلت تمد لهم يد العون دون مقابل، وهو ما جعل اسمها يرتبط لدى كثيرين بالعطاء والإحسان.

وفي مقابل هذه المواقف الإنسانية، تداولت بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات عممت المسؤولية على جميع سكان سبتة، ووجهت إليهم أوصافًا جارحة بسبب الاعتداءات التي ارتكبها عدد محدود من الأشخاص، وهو ما أثار انتقادات من نشطاء دعوا إلى التحلي بالإنصاف وعدم الخلط بين المعتدين وباقي سكان المدينة.

وفي هذا السياق، كتب أحد المغاربة شهادة لاقت تفاعلًا واسعًا جاء فيها: “صحيح شاهدنا اعتداءات وعنصرية ضد إخواننا المغاربة، لكن من قام بها هم فئة قليلة من المنحرفين والعنصريين، أما أغلبية سكان سبتة فهم أناس طيبون، ومنهم الحاجة صباح التي فتحت بيتها للمهاجرين وقدمت لهم الطعام والمساعدة. فلا يجوز أن نحكم على مدينة بأكملها بسبب تصرفات أفراد، لأن التعميم ظلم، والخير والشر موجودان في كل مكان.”

وتعكس هذه الشهادة دعوة إلى اعتماد خطاب متزن، يرفض الاعتداءات بكل أشكالها، وفي الوقت نفسه يرفض التعميم الذي يحول المسؤولية الفردية إلى إدانة جماعية، وهو ما يتنافى مع مبادئ العدالة والإنصاف.

إن قصة الحاجة صباح ليست مجرد مبادرة خيرية عابرة، بل رسالة إنسانية بليغة تؤكد أن الكرامة الإنسانية لا تعرف الحدود، وأن فعل الخير قادر على تجاوز الخلافات والظروف السياسية. كما أنها تذكر بأن المجتمعات لا تُقاس بأفعال قلة من الخارجين عن القانون، بل بما يقدمه أصحاب الضمائر الحية من مواقف نبيلة في أوقات الشدة.

وفي زمن تتسارع فيه الأخبار السلبية، تبقى مثل هذه القصص جديرة بأن تُروى، لأنها تعيد الثقة في الإنسان، وتؤكد أن الرحمة لا تزال حاضرة بين الناس، وأن الإنسانية ستظل دائمًا أقوى من الكراهية، وأبقى من كل أشكال التعصب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *