بصمات الفساد أخطر من بصمات التخريب: متى يتحرك المغرب ضد اللصوص الكبار؟

في الوقت الذي تنشغل فيه الأجهزة الأمنية برفع البصمات من محلات تجارية وصيدليات وبنوك تعرضت للتخريب خلال الاحتجاجات الأخيرة، يتساءل الشارع المغربي عن البصمات الأكبر التي لم تُرفع بعد: بصمات الفساد والنهب الذي أكل خيرات البلاد لعقود طويلة. أليس الأجدر أن تُجمع الأدلة أولاً ضد من أفسد التعليم، وأغرق الصحة في العجز، ودفن الوظيفة العمومية تحت ركام الزبونية والمحسوبية؟

لقد لاحظ الجميع مستوى الوعي لدى الشباب الغاضب، شباب يتحلى بالخلق الرفيع ويمتلك فهماً دقيقاً لمضامين الاحتجاج ومشروعية المطالب التي يضمنها الدستور. لكن التدخل العنيف من الأجهزة الأمنية جعلهم يشعرون بأن لا حق لهم في التظاهر السلمي، وأن صوتهم الحضاري مرفوض. والنتيجة كانت انفلاتاً أمنياً شهدته مدن عدة، لا بد من محاسبة المسؤولين عنه، سواء كانوا محتجين أو رجال أمن. ويبقى السؤال الجوهري: من أصدر أوامر تعنيف المواطنين؟ ومن أساء إلى شعار “الأمن في خدمة المواطن”؟ ما حصل يضرب في العمق كل الشعارات الرسمية عن التلاحم بين الشعب والأمن، ويفضح زيف الخطاب حين يُستبدل الحوار بالعنف.

الأسئلة تتناسل وتتشعب: لماذا تُرفع البصمات بسرعة ضد محتجين غاضبين، بينما يعرف الشعب جيداً بصمات ناهبي المال العام والسراق الكبار الذين أفرغوا خزائن الدولة وهرّبوا الأموال إلى الخارج؟ لماذا لم تُرفع البصمات عن الذين غسّلوا الأموال وبيّضوها تحت غطاء القانون، وعن الذين حوّلوا الجماعات إلى شركات ومقاولات عائلية يتقاسمون فيها الأرباح، وعن الذين امتهنوا تملصاً ضريبياً فاضحاً وحصلوا على ملاذات آمنة تقيهم المحاسبة؟

كل هذا يتابعه الشباب، وهو صابر يلوك قسوة الحياة ويجتر مرارة الزمان. ولما قرر بوعي واتزان ووطنية صادقة أن يحتج سلمياً، قوبل بالقمع والاعتقال وتلفيق التهم. هنا ينفجر السؤال الكبير: متى يتحرك القضاء وتتحرك النيابة العامة لمتابعة الخارجين عن القانون الحقيقيين، أولئك المسؤولين عن الأزمات في الصحة والتعليم والجماعات الترابية وكل مواقع القرار التي عرفت نهباً غير مسبوق لمقدرات الوطن؟ متى تُرفع البصمات الحقيقية عن الفاسدين، بدءاً من الحكومة وانتهاء بالمجالس المحلية والمؤسسات العمومية التي تعج بالخروقات والاختلالات؟

إن المغرب اليوم على مفترق طرق خطير: إما أن يُحاسب المفسدون الكبار وتُرفع بصماتهم كما تُرفع عن الشباب الغاضب، وإما أن تبقى العدالة مجرد قناع يُستعمل لتأديب الضعفاء بينما يُترك الأقوياء ينهبون بلا رقيب. فإلى متى ستبقى العدالة بوجهين؟ وأين نحن الآن من وطن يستحق أن يُبنى بالعدل لا بالانتقائية؟