بعض معيقات الحوار الإسلامي الغربي

الوطن 24/ بقلم: د. كريمة نور عيساوي*

لا خلاف في أن فكرة حوار الأديان قديمة قدم الأديان نفسها، وذلك بسبب حاجة الأفراد والجماعات إلى الحوار لتفادي الحروب الدينية، ولإشاعة الأمن والتعايش والاستقرار. وقد قدمت الحضارة العربية الإسلامية خلال مرحلة ازدهارها نماذج من هذا الحوار بين الأديان، والذي تجسد في الجدل الإسلامي المسيحي[1] والجدل الإسلامي اليهودي[2] وفي المناظرات الدينية[3]وفي الكتب الكثيرة التي يمكن أن ندرجها الآن ضمن ما يُعرف في العصر الحديث بعلم مقارنة الأديان. ولم تكن الكتابة في الأديان حكرا على العلماء المسلمين فقط، بل هناك أعمال دبجتها أقلام مسيحية ويهودية[4]. وتُعتبر الأندلس الإسلامية خير مثال للتلاقح الثقافي والتسامح الديني وحوار الحضارات. غير أن الجديد في حوار الأديان حاليا هو أنه لم يعد وسيلة لتدبير الاختلاف داخل أمة واحدة مثلما كان الأمر في الماضي، بل أضحى أسلوبا لخلق جسر التواصل بين أعضاء المجتمع الدولي.

إن حوار الأديان باعتباره وجها بارزا من أوجه العلاقات الدولية، ومطلبا غربيا يجسد الرؤية المستقبلية للعلاقة بين الثقافات المختلفة لم يتوقف عن استقطاب مثقفين ورجال دين ورجال المال والأعمال وفاعلين جمعويين. ولابد من الإشارة إلى أن حوار الأديان مر بعدد من المحطات. لعل أولها حينما عمدت فرنسا إلى إرسال ممثلين عن الكنيسة إلى مصر للتحاور مع علماء الأزهر بخصوص إمكانية توحيد الديانات الثلاث. وكان ذلك سنة 1937. ومنذ ذلك التاريخ وحتى العصر الراهن نُظمت العشرات من المؤتمرات سواء في الوطن العربي أو في العالم الإسلامي أو في الغرب.

                وكان انعقاد مثل هذه المؤتمرات يُثير في الغالب جدلا كبيرا في الأوساط الفكرية والدينية العربية، وانقساما في المواقف المؤيدة أو المعارضة. يميل المؤيدون للحوار إلى التركيز على جدوى الحوار الإسلامي الغربي، والتأكيد على أن اللوم يجب أن ينصب على المسلمين الذين اعتادوا أن يتلقوا الحوار من الغرب دون أن يكون لهم أي دور فيه. لهذا من المفروض أن ينتقلوا من حالة السلبية إلى حالة جديدة تقوم على إشراكهم في صياغة “أجندة” للحوار يختارون لها بملء إرادتهم الموضوعات التي تحظى باهتمامهم. أما أصحاب الاتجاه الثاني فهم لا يؤمنون على الإطلاق بجدوى الحوار لأن نتيجته حسب رأيهم محسومة مسبقا، وقضاياه كلها تُصاغ في الغرب، وتُفرض على الحلقة الأضعف التي لا تملك حق الرفض أو النقد، وليس أمامها إلا الانسياق وراءها.

معيقات الحوار كما يراها المسلمون

إن أي متتبع لحوار الأديان، لاسيما بين الغرب والإسلام سيلاحظ أن هذا الحوار تقف دون نجاحه مجموعة من العوائق التي نلخصها فيما يلي:

– نظرة الغرب المسيحي (الكاثوليكي) التقليدية للإسلام على أنه هرطقة دينية مسيحية، والتي ظلت سائدة إلى حدود انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني سنة (1962-1965) حيث تم الاعتراف بالإسلام دينا رسميا يعبد الله الحقيقي. كما أن حوار الأديان، كما يفهمه الغرب، لم يكن دائما بريئا. إذ كثيرا ما كانت تُحركه أهداف تبشيرية، وكانت تُنظم لهذه الغاية مؤتمرات مثلما هو الحال بالنسبة للمؤتمر الثاني لمجلس الكنائس العالمي الغربي الذي انعقد في إيفانستون بالولايات المتحدة. وقد جاء في تقرير هذا المؤتمر ما يلي: «إن نهضة الأديان غير المسيحية، ونشر الأيديولوجيات الجديدة يفرض منهاجا جديدا لعملنا التبشيري. ففي عديد من البلدان خصوصا آسيا وإفريقيا، تزداد هذه النهضات الدينية قوة بواسطة القومية وأحيانا ما تقدم نفسها كأساس فعال للإصلاحات الاجتماعية»[5].

-التقصير الكبير الذي يعاني منه الغرب الأوروبي في معرفة الآخر. فمعرفته بالآخر محدودة كما أشار إلى ذلك هانس كينغ[6].

– انطلاق حوار الأديان في التصور الغربي من مبدأ وحدة الأديان من شأنه أن يؤدي إلى طمس الهوية الإسلامية. وهذا ما أشار إليه أنور الجندي حينما قال: «إن على علماء المسلمين أن يردوا تماما فكرة التقريب بين الأديان لأنها تعني الاعتراف بالأديان بوضعها الحالي، الذي تختلف فيه عن حقيقتها التي أنزلت بها وحتى لا يظن الناس أن هذه الأديان صحيحة، ويُسلم المسلمون بصحتها. وهذا معناه أن الإسلام لم يأت بجديد بعد اليهودية والنصرانية»[7].

– الدعوة إلى توسيع حوار الأديان ليشمل الأديان غير السماوية يتعارض مع الموقف الإسلامي الذي لا يعترف بالديانات الوضعية مثل البوذية والهندوسية…

– الموقف العدائي للغرب اتجاه الإسلام، خاصة مع مقولة الخطر الإسلامي التي نظر لها التيار الاستشراقي الجديد ممثلا في برنارد لويس وصامويل هانتنغتون[8]وفوكاياما[9]. هذا إلى جانب التحريض الذي تشنه وسائل الإعلام الغربية باحترافية كبيرة ضد الإسلام والمسلمين.

                خلاصة القول إن معيقات حوار الأديان متعددة.  لكن لا يمكن أن ننفي وجود نخبة من المفكرين الغربيين الذين أبانوا عن رغبة أكيدة في فتح قنوات الحوار بين الأديان، وذلك اعتمادا على معايير أخلاقية وقيم إنسانية مشتركة.  غير أن هذه النخبة نفسها لم تتخلص بعدُ من الصورة النمطية للإسلام.  وهنا يجدر بنا أن نُشير إلى هانس كينغ[10] الذي اشتهر بانفتاحه على الإسلام، وتسليمه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإيمانه بأن رسالته من عند الله وأن القرآن موحى من الله.  لكن في المقابل لا يجد أي حرج في اعتبار القرآن الكريم وحي الله بالمضمون وليس بالنص على غرار التوراة والإنجيل. ومن ثم يرى ضرورة إخضاع القرآن الكريم لدراسة نقدية تاريخية قياسا على مناهج نقد الكتاب المقدس. وفي دعوته هذه نداء صريح لفصل الدين عن الدولة في المجتمعات الإسلامية لأن الربط بينهما هو أحد أسباب تخلف المسلمين منطلقا من تجربة المسيحية عندما كانت السلطة الزمنية مرتبطة بالكنيسة، وأثر ذلك على أوروبا في العصور الوسطى. مما أدى إلى ثورة على الكنيسة سرعان ما انتهت بفصل الدين عن الدولة[11].

معيقات الحوار كما يراها الغرب

– تنامي الحركات الأصولية في العالم الإسلامي التي أصبحت حسب التصور الغربي تهدد المصالح الأوروبية والأمريكية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 الشهيرة، وما تلتها من أحداث عنف في مناطق مختلفة من العالم.

– ترويج مناهج التعليم في بعض دول العالم العربي والإسلامي لمفاهيم تتناقض مع دعوة الغرب لحوار الأديان. ومن هنا نفهم الدعوات الغربية المتكررة التي تحث صراحة بعض دول العالم العربي والإسلامي على تغيير مناهجها التعليمية.

– تقسيم العالم وفق منظور الفقه الإسلامي قديما إلى دار الإسلام ودار الحرب[12] لا يتناسب مع الواقع المعاصر ومن شأنه إذا ما لم تتم مراجعته مجددا أن تترتب عنه، كما يرى ذلك منير القادري[13] أحكاما وسلوكيات تسير عكس ما فيه صالح الإسلام والمسلمين. 

انطلاقا من بعض المعيقات التي أتينا على ذكرها يبقى نجاح حوار الأديان الإسلامي الغربي والمسيحي على وجه الخصوص رهينا بتقديم تنازلات من كلا الطرفين شريطة ألا تمس جوهر العقيدة في الديانتين معا، وبإيجاد حلول عادلة لبعض القضايا السياسية العالقة. وفي جميع الحالات فإن حوار الأديان، وإن لم ينجح دائما في تحقيقه جميع أهدافه، فإنه يُمهد، على الأقل، الظروف لبث أجواء الثقة بين أفراد المجتمع الدولي.

المراجـــــــــــــــــع

ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار الفكر، 1980

وليم سليمان: الحوار بين الأديان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1976

أنور الجندي: الحوار بين الأديان، مجلة منار الإسلام، ع3، السنة 1987

هيثم مزاحم: التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام (السيد الشاهد)، مجلة الاجتهاد، ع 31-32، 1996

هيربرت بوسه: أسس الحوار في القرآن الكريم. دراسة في علاقة الإسلام باليهودية والمسيحية، ترجمة أحمد محمود هويدي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة،2005

منير القادري: واقع المسلمين بالغرب.. من أجل اجتهاد متنور لسياق متغير، مجلة الإحياء، ع26، نونبر 2007


[1] انظر على سبيل المثال “الرسالة المختارة في الرد على النصارى” لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وو”الفصل في الملل والأهواء والنحل” لابن حزم و”الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل” للغزالي

[2] انظر “الفصل في الملل والأهواء والنحل” لابن حزم و “بذل المجهود في الرد على اليهود” للسموءل بن يحيى بن عباس المغربي.

[3] تحفل المصادر العربية القديمة بالمناظرات الدينية التي كانت تُجرى بين ممثلي الديانات الثلاث (اليهودية والمسيحية واليهودية) في ظروف يطبعها الاحترام المتبادل. ومن أشهر هذه المناظرات تلك التي جمعت إسماعيل بن يوسف اليهودي المعروف بابن نغريلة بابن حزم الأندلسي. وكان فن الجدل والمناظرة يحتل مكانة مهمة في الآداب الدينية وبخاصة ما كتبه علماء الكلام المسلمون من ردود على  طروحات خصومهم من علماء الملل والديانات الأخرى، فيما يتعلق بالعقيدة، حيث كانت تعقد مجالس للنقاش بين علماء الديانات التوحيدية في أماكن خاصة، أو في المساجد، أو في بلاط الخلفاء أو الوزراء أو الأمراء، حتى يكون المسلمون على بينة من الديانات الأخرى، والشعوب التي تعيش معهم والخاضعة للسلطة السياسية الإسلامية من جهة، ومن جهة أخرى محاولة إقناعهم الدخول في الإسلام باعتباره دعوة توحيدية جاءت لتتميم الديانتين السابقتين اليهودية والمسيحية.

[4]أبو الحسن يهودا اللاوي (حوالي 1075- 1141) صاحب “الحجة والدليل في نصرة الدين الذليل” المعروف في الأدبيات اليهودية والاستشراقية بالكوزري. ويُمثل هذا الكتاب بدفاعه المستميت عن اليهودية مواجهة مكشوفة مع الديانتين المسيحية والإسلام وسعد بن منصور بن سعد بن الحسن بن هبة الله بن كمونة الإسرائيلي الملقب بعز الدولة (1215-1285) فهو صاحب كتاب “تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث، وقد بالغ في هذا الكتاب في مناصرة اليهودية على حساب النيل من سائر الأديان التي يخالفها ومنها الإسلام.

[5]وليم سليمان: الحوار بين الأديان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1976، ص 13

[6] Hans king et autres : Le christianisme et les autres religions, trad de l’allemand, Joseph Feishauer, éd le Seil, Paris, 1986, p7

[7]أنور الجندي: الحوار بين الأديان، مجلة منار الإسلام، ع3، السنة 1987، ص88-89

[8]صامويل هانتنغتون هو صاحب كتاب صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي الذي صدر سنة 1996

[9]فوكوياما صاحب المقالة التي تحمل عنوان ” نهاية التاريخ الصادرة سنة 1989. وقد أضاف وشرح فوكوياما نظريته المثيرة للجدل في كتاب أصدره عام 1992 بعنوان ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير

[10]هانس كينغ ينحدر من أصول سويسرية كاثوليكية تخصص في الفلسفة واللاهوت وذاع صيته في الدوائر القريبة من الفاتيكان بحيث عين مستشاراً في لجنة حوار الأديان بمجمع الفاتيكان الثاني (1962 – 1965) ثم عُين أستاذاً بكلية اللاهوت الكاثوليكي بجامعة توينغن / ألمانيا الاتحادية ، وقد سمح له آنذاك بالإشراف على تربية الكهنة الكاثوليك لكنه سرعان ما طفت إلى السطح خلافات بينه وبين دوائر العقيدة بالفاتيكان في نهاية الستينات حول العصمة البابوية، وحول معنى الخلاص، وإمكان نجاة المؤمنين بالله وإن لم يكونوا كاثوليك أو مسيحيين. وبسبب أفكاره التي تتعارض مع الفاتيكان منع من تربية الكهنة عام 1979م وظل أستاذاً للاهوت وفلسفة الدين بالجامعة المذكورة، وتطورت تجربة كينغ في الثمانينات فأجرى حوارات مع المسلمين واليهود ثم مع البوذيين والهندوس، ونشرت كلها في كتب صارت مشهورة. وقد أنشأ مؤسسة لهذا الغرض وظل على إصراره حول حوار الديانات، وحول إمكان مشاركة المؤمنين في السلام العالمي وترجمت كتبه إلى سائر لغات العالم بما في ذلك العربية.

[11]هيثم مزاحم: التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام (السيد الشاهد)، مجلة الاجتهاد، ع 31-32، 1996، ص 296

[12] بخصوص تحديد مفهوم دار الإسلام ودار الحرب يمكن الرجوع إلى هيربرت بوسه: أسس الحوار في القرآن الكريم. دراسة في علاقة الإسلام باليهودية والمسيحية، ترجمة أحمد محمود هويدي، المجلس الأعلى للثقافة، 2005، القاهرة، 177-178-179

[13]منير القادري: واقع المسلمين بالغرب..من أجل اجتهاد متنور لسياق متغير، مجلة الإحياء، ع26، نونبر 2007

*أستاذة تاريخ الأديان وحوار الحضارات – كلية أصول الدين  – جامعة عبد المالك السعدي تطوان – المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *