تمغربيت في زمن القرار العمومي… حين أجّل المغرب الامتحانات احتراماً للحظة وطنية

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
ليس كل قرار إداري يُقاس بصرامته، ولا كل التزام بالرزنامة يُعدّ دليلاً على الحكامة. أحياناً، تكون الحكمة في كسر الروتين، وفي قراءة اللحظة قبل الاحتكام الأعمى للإجراء. من هذا المنظور، يندرج قرار تأجيل الامتحانات الموحدة تزامناً مع نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب، لا كاستثناء تقني، بل كترجمة عملية لروح “تمغربيت” في تدبير الشأن العام.
“تمغربيت” هنا ليست شعاراً عاطفياً، بل منطقاً في الفهم والتقدير؛ منطقاً يعترف بأن لحظات الوطن الكبرى لا تُدار بالعقل الإداري البارد وحده، وأن المدرسة، حين تنفصل عن مجتمعها، تفقد جزءاً من معناها التربوي والرمزي. فالتلميذ ليس رقماً في لائحة، بل مواطن يتشكّل وعيه داخل سياق وطني حيّ، يتأثر بالفرح الجماعي كما يتأثر بالأزمات.
إن تنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب ليس حدثاً رياضياً عادياً، بل عرساً إفريقياً يحمل أبعاداً سيادية وثقافية وتنظيمية. هو موعد تُراكم فيه المملكة رصيدها القاري، وتُجسّد فيه قدرتها على جمع إفريقيا في فضاء آمن ومنظّم، وتُعيد من خلاله تأكيد موقعها كقوة إقليمية هادئة التأثير. في مثل هذه اللحظات، يصبح التفاعل الإيجابي للمؤسسات مع المزاج الوطني جزءاً من نجاح الحدث نفسه.
وتقتضي “تمغربيت” أيضاً ثقافة الاعتراف والشكر، لكل من يقف خلف هذه المبادرة التربوية الملفتة، من أجل مدرسة مغربية منفتحة على محيطها، قادرة على التقاط الإشارات وتحويلها إلى لحظة تاريخية يمتزج فيها الفرح بالفخر والاعتزاز، دون أن تفقد وظيفتها التعليمية أو مسؤوليتها التربوية.
تأجيل الامتحانات لم يكن انتصاراً لكرة القدم على المدرسة، ولا تراجعاً عن جوهر التقويم، بل كان احتراماً لنفسية المتعلمين، وضماناً لتكافؤ الفرص، وتفادياً لارتباك كان من شأنه أن يفرغ التقييم من معناه التربوي. فالامتحان أُجّل ولم يُلغَ، والبرمجة أُعيدت ولم تُترك للارتجال، في مرونة محسوبة تعكس نضج القرار لا ضعفه.
ثم إن “تمغربيت” في بعدها العميق تعني الإنصات. والإدارة التي تُنصت لا تفقد هيبتها، بل تكتسب مشروعية أوسع. والقرار الذي يراعي الإنسان لا يُفرّط في النظام، بل يحميه من الجفاف. هكذا تُدار الدول الواثقة من نفسها: بعقلانية، وبحسّ وطني، وبقدرة على الموازنة بين الصرامة والإنسان.
لقد اختار المغرب، في لحظة إفريقية جامعة، أن يكون منسجماً مع ذاته، ومع مجتمعه، ومع رمزية الحدث الذي يحتضنه. وهذا في جوهره درس في “تمغربيت” العملية: أن نُدير الزمن بالعقل، وأن نضع الإنسان في قلب القرار، وأن نفهم أن المدرسة جزء من الوطن، لا جزيرة معزولة عنه.
هو قرار صغير في شكله، كبير في دلالته. ليس لأنه أجّل امتحاناً، بل لأنه أعاد التذكير بأن الوطنية، حين تتحول إلى ممارسة مؤسساتية هادئة، تصبح أقوى من أي خطاب.


فعلا “تمغربيت” هنا ليست مجرد كلمة، بل دعوة حية لربط التعليم بالنبض الوطني، بعيداً عن الإدارة الجامدة. صاحب النص يلخص بشكل بليغ كيف يصبح التلميذ جزءاً من نسيج حي، يتغذى على الفرح الجماعي مثل احتفالات كأس العالم المحتملة.