تونس: حكم بالسجن 6 أشهر على موقوف رفض مشاهدة تقرير تلفزيوني عن الرئيس قيس سعيّد

أثار حكم قضائي صادر عن محكمة تونسية يقضي بسجن موقوف لستة أشهر، بسبب رفضه مشاهدة تقرير تلفزيوني يتناول نشاطًا للرئيس قيس سعيّد، موجة واسعة من الاستنكار داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية، في خطوة وُصفت بأنها تراجُع خطير في مجال الحريات الفردية وحرية الرأي داخل السجون.

وبحسب الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، فإن الحادثة وقعت داخل أحد سجون ولاية قفصة (وسط البلاد)، حين عبّر أحد السجناء عن “رفضه مشاهدة تقرير عن نشاط رئاسي” عُرض ضمن النشرة الإخبارية في تلفاز الزنزانة. وقد قام سجين آخر بإبلاغ إدارة السجن، ليتم فتح تحقيق مع المعني بالأمر، ثم عرضه على القضاء الذي أدانه بالسجن لمدة ستة أشهر.

واعتبر فرع الرابطة بولاية قفصة أن هذا الحكم “يشكّل انتهاكًا خطيرًا لحرية الرأي والتعبير”، مشيرًا إلى أنّ “سياسة تكميم الأفواه لم تعد تقتصر على الفضاء العام، بل امتدت إلى داخل الزنازين”. وأضاف البيان أن “المساجين، رغم وضعهم القانوني، يظلون مواطنين لهم حقوق أساسية يجب احترامها”.

من جهته، عبّر محامي السجين عن صدمته من الحكم، مؤكدًا أن موكله لم يُقدم على أي فعل عدائي أو تحريضي، بل عبر عن موقف شخصي دون تعريض أحد للخطر أو خرق النظام العام داخل المؤسسة السجنية. واعتبر أن الحكم يمثل “تجريمًا للرأي الشخصي” ويُظهر استغلالًا واضحًا للسلطة القضائية في قمع التعبير حتى في أضعف صوره.

ولم تصدر وزارة العدل أو إدارة السجون أي بيان رسمي توضيحي بشأن خلفيات القضية أو المبررات القانونية التي استندت إليها المحكمة في إصدار الحكم، ما زاد من حالة الغموض والاستياء في صفوف منظمات المجتمع المدني.

وتأتي هذه القضية في ظل تزايد القلق من التراجع الديمقراطي الذي تشهده تونس منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد عن الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو 2021، والتي شملت حل البرلمان وتعديل الدستور وتعزيز صلاحياته الرئاسية. وقد حذّرت منظمات دولية، مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، من “تضييق ممنهج على الحريات”، و”محاولات لتوظيف القضاء في تصفية الخصوم أو فرض الولاء السياسي”.

وفي تعليق من أحد أعضاء منظمة العفو الدولية في تونس، اعتبر أن “معاقبة شخص على امتناعه عن مشاهدة برنامج تلفزيوني يمثّل تجاوزًا خطيرًا لكل القيم الديمقراطية، وينسف الأسس القانونية التي تضمن الحق في التعبير والاختيار الحر، حتى داخل السجن”.

ويخشى حقوقيون أن تتحول هذه الحادثة إلى سابقة تفتح الباب أمام مزيد من الأحكام التي تستهدف الرأي المخالف، وتُطوّع المؤسسات العقابية لتصبح أدوات للضبط السياسي، بدلًا من أن تكون مؤسسات إصلاحية تحترم الكرامة الإنسانية.

خاتمة

بينما يُفترض أن تبقى المؤسسات السجنية فضاءات لتطبيق العدالة وإعادة التأهيل، فإن إصدار أحكام بالسجن بسبب موقف شخصي من مادة إعلامية يعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول مدى استقلال القضاء، ومدى التزام الدولة التونسية باحترام حرية التعبير كمبدأ دستوري غير قابل للتجريم. فحين يُعاقب السجناء على مجرد الرغبة في “تغيير القناة”، يصبح مستقبل الحريات في تونس على المحك.