عندما تفقد الفلسفة هيبتها: نظرات في كتاب “ثغور المرابطة”

الوطن24/ بقلم: نور الدين الحاتمي

  على الرغم من أن الدكتور “طه عبد الرحمان” فيلسوف لا يشق له غبار ومفكر كبير وصدرت له أعمال فلسفية عميقة و جديرة بأن تحمل وصفها ك “العمل الديني وتجديد العقل” و”أصول الحوار…” إلا أن كتاباته لم تحظ بالاهتمام والرعاية، إلا بعد أن انتصب للرد على المفكر العربي الكبير “محمد عابد الجابري” وبيان اوجه القصور في معماره النقدي الذي خص به “نقد العقل العربي” تكوينا و بنية، ولذلك يصح القول أن شهرة طه عبد الرحمان تعود في جزء كبير منها إلى شهرة الجابري رحمه الله، إذ الرد على الشهير أدعى بأن تجعل الراد مشهورا بشهرة المردود عليه، ولذلك لم يتعرف القارئ العربي عليه وعلى إنتاجاته، إلا بعد صدور كتابه “تقويم المنهج في تجديد التراث” الذي نقد فيه “الجابري” و انتقده.

  وإذا كان “طه عبد الرحمان” قد دشن القول في مشروعه الفلسفي المثير في إبانه: “فقه الفلسفة” الذي يمكن عده، بحق، “ثورة تجديدية” في الخطاب والقول الفلسفيين، لأنه رافع فيه من أجل إعادة الاعتبار لفعل التفلسف وروحه والتعالي بهما إلى ما يليق بهما من التجريد” بعد أن كان “المتفلسف العربي” قد أفقدهما عمقهما وحط منهما إذ زاوج بينها، أي الفلسفة، وبين التاريخ، أو بينها وبين السياسة، وأفقدها “اصالتها” حيث أن جل إنتاجاته وأعماله الفلسفية مجرد تقليد ونسخ لما يصدر في الغرب، كما لاحظ هذا الفيلسوف ـ وهو محق ـ في غير واحد من كتاباته “.

   والحق أن هذا المشروع “الأصيل” جاء فيه ” طه عبد الرحمان” بما لم يسبق إليه، وبناه بصيغة فيها الكثير من الإبداع والابتكار الفلسفيين، وهذا ما فسر التعاطي اللافت للنقاد العرب معه، حيث انشغلوا به، واشتغلوا عليه دراسة وتحليلا ونقدا.

  وإذا كان مشروع “طه عبد الرحمان” الفلسفي قد “أسكر” المهتمين بالفلسفة العربية والإسلامية لأكثر من عقدين و”أرهبهم” إلا اننا نستطيع أن نقول أن هذا المشروع الفلسفي “الضخم” والذي كان يبشر بفتح عهد جديد للفلسفة العربية تستعيد فيه أصالتها و قوتها، كأنه ولد ميتا أو قتل في مهده، بحيث أن طلبة الرجل انفسهم ومقلديه توقفوا عند حد إبداء الإعجاب به والإشادة بأعماله، والتبشير بها، ولم يسيروا بسيره أو ينسجوا على منواله.

     بل إن هذا الفيلسوف نفسه توقف عن المضي في طريق التأصيل لتلك الفلسفة الواعدة، التي أرادها ميلادا لتفلسف عربي حقيق بأن يحمل صفته، وانتقل للانشغال بالقضايا الإيديولوجية أو “الفكرانية” ـ كما يحلو له أن يقول ـ وفق “النظرية الائتمانية”، التي صاغها مؤخرا، والاشتغال عليها، والمرافعة من أجلها وفي سبيلها، فاستغرق في نقد “الدهرانية” وبيان بؤسها وتهافتها

 وإذا كان هذا الفيلسوف الواعد قد تراجع عن طموحه، الذي هو الارتقاء بالفلسفة إلى المقام المطلوب، وصار يشتغل بالقضايا والإشكالات “الفكرانية” وانطلاقا من المرجعية “الفكرانية” أيضا، وعلى ضوئها، وفي أفقها، فإنه في كتابه “ثغور المرابطة” وفي القسم المخصص للقضية الفلسطينية عامة، وبيت المقدس خاصة، قد نزل بالفلسفة درجة، وحط من شموخها.

  قال هذا المفكر الفيلسوف أنه سيفكر في القضية الفلسطينية من موقع الفيلسوف وبأسلوبه، أي” على مقتضى التأمل الفلسفي المبني على القيم وليس على مقتضى التكهن السياسي المبني على المصالح” كما قال ان خوضه في المسألة لن يكون كخوض من سواه، لأنه لا أحد من المفكرين والكتاب الباحثين قارب هذا الموضوع مقاربة فلسفية.

 والحال أننا ما كنا لنقف عند هذا الكتاب لولا أنه أشار إلى هذه القضية بالذات، اي قراءته للمعضلة، قراءة فلسفية، مختلفة ومغايرة للقراءات التي عودنا عليها المفكرون والكتاب العرب.

  إن القراءة الأولية للكتاب تبين أنه ليس كما أراده صاحبه، ولا يتوفر على ما يسند ادعاءه ويؤكده، بل على العكس من ذلك، يكاد يتضح منه أن الفلسفة برمتها وبشموخها لا تضيف شيئا في هذا المجال، وأن الفيلسوف بشموخه أيضا لا يزيد عن “الرجل العادي” في الوعي بهذا الموضوع.

    يقول طه عبد الرحمان أن أرض فلسطين هي “ملتقى العوالم”: الغيب والشهادة، وإرث الإنسان الفلسطيني هو “ملتقى الابعاد”: الزمني والسرمدي، كما يقول. وبما أن هذه الأرض أرض مباركة، فإن احتلالها من قبل الكيان الصهيوني إيذاء للذي باركها، أي الله، وإيذاء أيضا للإرث الذي أنتجته فطرة الإنسان الفلسطيني. ويمضي “فقيه الفلسفة” في شرحه للموضوع بلغته الفريدة والفخمة، ويسمي احتلال الارض “إحلالا” واحتلال الفطرة وتشويه الإرث “حلولا” والغاية من هذا الأخير “إفساد الذاكرة” و”اختلال علاقة الفلسطيني بماضيه” وهما مترابطان ترابط معلول بعلة، و”إفساد الثقة بالذات” إي الشعور بعدم القدرة على مواجهة العدوان ورفع الظلم والتصدي له. ثم راح يفضح “التطبيع” و “المطبع” معتبرا “التطبيع” تضييعا للطبيعة ـ حسب مقتضى اللغة العربية ـ وتضييعا للروح والقداسة وغيرهما، ومعتبرا “المطبع” لا يخجل من ربه ولا يتردد في معصيته ويسعى إلى التغرير بالآخرين وإضلالهم حتى يكونوا مثله بل ويدافع عن موقفه المخزي والذليل.

   إذا اكتفينا بهذا القدر، سيكون من حقنا أن نتساءل عن الجديد الفلسفي الذي بشر به “فقيه الفلسفة”.، أي أين تبدو ملامح التناول الفلسفي غير المسبوق في هذا الكتاب؟ ما هي أوجه الاختلاف بين لوني التناول للمعضلة: تناول طه عبد الرحمان وتناول غيره من الباحثين والمفكرين العرب؟

 إن المسلم “العادي” أي غير الفيلسوف، يدرك ذلك ويعيه جيدا: يدرك أن الوقوع في المحرمات [أيا كانت] إيذاء لله الذي جعلها كذلك، واحتلال فلسطين عدوان على أرض الإسلام، وبالتالي، إيذاء لله. واحتلال أية ارض في العالم، إيذاء لصاحبها. وهذه قضايا يستوي في العلم بها العالم وغير العالم، والقوى الاستعمارية في العالم، وعبر التاريخ، كانت تسعى إلى تبرير احتلالها لأرض الغير، بتزوير التاريخ وقلب المعطيات و “الحقائق العلمية” وفي هذا “إفساد للذاكرة” كما هو معلوم، ويسعى إلى إحباط المقاومة والفت في عضدها، ببث الأراجيف والاكاذيب، والترويج للقوة المحتلة وإبرازها كقوة لا تقهر ولا تغلب، والغرض من ذلك طبعا، هو إفساد الثقة في الذات” وبالتالي، الاستسلام والقبول بالأمر الواقع، والأمر هنا واضح وضوح الشمس في رابعة النهارـ كما تقول العرب ـ ولا يحتاج إلى اجتراح عبارات جديدة، في اللسان العربي ما يغني عنها.

   كما أن المسلم “العادي” يؤمن إيمانا صادقا وقويا، بأن الحاكم المطبع خائن لله وخائن لأمته، وللتاريخ، ويدرك إدراكا واضحا أيضا، أنه يسخر أبواقه للدفاع عن سياسته القبيحة و المرفوضة إسلاميا وعربيا وشعبيا، وغرضه إقناع الناس حتى يكونوا مثله، لان خسته ونذالته و حقارته تنعكس على مرآة رفض الشعوب وممانعتها، ولذلك ورد في الاثر “ودت الزانية لو أن النساء كلهن يزنين” ويدرك المسلم أن التطبيع، إذا كان المراد به جعل العلاقة بين قوى الاحتلال والأرض المحتلة علاقة عادية وطبيعية، فإن هذا نقيض للطبعي ومضاد له، لأن الطبعي في هذا الأمر، هو العمل على تحرير الأرض المغتصبة وطرد القوى المحتلة، وليس المصالحة معه والاعتراف به والتعامل معه كأمر واقع.

 إن الذي يتأمل الكتابة الفلسفية” لطه عبد الرحمان” حول هذا الموضوع، يتبين له أن التفلسف هنا وبطريقة هذا الفيلسوف وبأسلوبه لا ضرورة لهما ولا قيمة، اللهم إلا إذا كانت قيمة التفلسف تكمن، فقط، في اللغة المسبوكة التي يمتاز بها الرجل وفي التفريعات والتقسيمات التي يجيدها بفعل تكوينه المنطقي وتفننه في صناعته.

إن التأمل الفلسفي الذي بشر به الرجل هنا لم يضف شيئا ولم يزد، بل إنه يأتي بنتائج عكسية، أي ضد المراد، لأن هذا التناول الفلسفي من البرودة بحيث لا يؤثر في القارئ العربي والمسلم ولا يحرضه، بل يستفزه ببرودته، وإذا كان هناك من فائدة فإنها ذلك الانتقال بالمعلومات التي يعلمها المسلم “العادي” ويؤمن بها حتى النخاع، إلى مفردات فخمة وعبارات ضخمة، لا تسمن ولا تغني من جوع.

صحيح أن هذا الفيلسوف رجل منطقي وهو متمكن من صناعته ومتفنن فيها، واعماله الفلسفية “الخالصة” تشهد له بذلك، ولكن العلاقات الدولية لا يحكمها ذلك المنطق الذي درسه حتى برز فيه، وإنما يحكمها منطق آخر ومغاير والتدافع بين الأمم لا يضبطه ذلك المنطق الذي أتقنه وألف فيه ولكنه يضبطه منطق مباين ومختلف. إنه منطق القوة الذي يسير العالم وينظمه وليست قوة المنطق.