عندما تهتز الملاعب ويعلو الضجيج: مسؤولية الخطاب الإعلامي في زمن الانفعال الرياضي

الوطن24/ خاص
تُشكّل كرة القدم في عالم اليوم أكثر من مجرد لعبة؛ إنها مساحة رمزية تتقاطع فيها الهويات والانفعالات والرموز الوطنية، وتتحول فيها لحظات الفوز والهزيمة إلى أحداث تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. غير أن هذه الرمزية، حين تُساء إدارتها إعلاميًا، قد تنزلق من فضاء التنافس الرياضي إلى ساحات الاستقطاب السياسي واللغوي الحاد.
ففي أعقاب خروج المنتخب التونسي من إحدى الاستحقاقات الكروية الكبرى، شهدت الساحة الإعلامية جدلًا لافتًا، بعد تصريحات منسوبة لأحد مقدمي البرامج، تجاوزت حدود التحليل الرياضي إلى خطاب انفعالي مشحون بإيحاءات سياسية وتعميمات إيديولوجية، ما أعاد طرح سؤال قديم متجدد: أين تنتهي حرية التعبير، وأين تبدأ مسؤولية الكلمة؟
إن الإشكال لا يكمن في نقد الأداء الرياضي أو مساءلة المنظومات الكروية عن أسباب الإخفاق، فذلك حق مشروع وضروري في أي بيئة رياضية سليمة. لكن الخطورة تبدأ حين تتحول المنابر الإعلامية إلى فضاءات لتفريغ الإحباط الرياضي عبر قوالب سياسية أو اتهامات عابرة للملفات، بما يهدد جوهر النقاش المهني ويُقحم الرياضة في صراعات لا تنتمي إلى منطقها.
وفي السياق ذاته، يلاحظ متابعون أن مثل هذه الانزلاقات الخطابية لا تعكس بالضرورة المزاج العام للجمهور الرياضي، الذي ظل في محطات عديدة نموذجًا للتفاعل الإيجابي والتشجيع المتبادل بين الشعوب، بعيدًا عن التوترات المصطنعة التي قد تخلقها لحظات الانفعال الإعلامي.
لقد بات واضحًا اليوم أن قوة الإعلام لا تُقاس بحدة العبارات، بل بعمق التحليل وقدرته على التمييز بين المجال الرياضي بوصفه مساحة للتقييم الفني، وبين المجال السياسي الذي تحكمه تعقيدات مختلفة تمامًا. وعندما تختلط هذه الحدود، يخسر الجميع: يخسر الخطاب مهنيته، وتخسر الجماهير ثقتها، وتخسر الرياضة حيادها الرمزي.
إن المسؤولية المهنية تقتضي إعادة الاعتبار للغة الهادئة، حتى في لحظات الإقصاء والهزيمة، لأن الانفعال قد يكون مفهومًا، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى منهج في التفسير أو قاعدة في التحليل. فالهزائم الرياضية، مهما كانت قاسية، لا تُعالج بالشعارات، بل بالمراجعة، والتخطيط، والعمل المؤسسي.
وفي نهاية المطاف، تبقى كرة القدم مساحة يفترض أن تجمع أكثر مما تفرق، وأن تفتح المجال للتقارب بدل إعادة إنتاج الاستقطاب. أما الإعلام، فهو في صلب هذه المعادلة، إما أن يكون جسرًا للفهم والنقاش المسؤول، أو منصة إضافية لتأجيج لحظات عابرة من الغضب.
وهنا تحديدًا، تتجلى أهمية الوعي الإعلامي في حماية الرياضة من أن تُختزل في صراعات جانبية، وإبقاء النقاش داخل حدوده الطبيعية: تحليل الأداء، احترام المنافس، والاعتراف بأن الهزيمة، مهما كانت قاسية، ليست نهاية الطريق بل بدايته.
