عندما تُهمَّش الكفاءة ويُكافأ الضجيج: قراءة في مشهد رياضي مغربي مثير للجدل

أثارت صورة متداولة من أحد الملاعب المغربية موجة نقاش واسعة داخل الأوساط الرياضية والإعلامية، ليس بسبب ما أظهرته فقط، بل بسبب ما اختزلته من دلالات عميقة حول منظومة الاعتراف والتقدير داخل الرياضة الوطنية. صورة يظهر فيها طارق السكتيوي، أحد أبرز المدربين المغاربة في السنوات الأخيرة، جالسًا وسط الجماهير في المدرجات العادية، بعد اقتنائه تذكرة دخول مثل أي مشجع.

السكتيوي ليس اسمًا عابرًا في ذاكرة الكرة المغربية. هو المدرب الذي قاد المنتخب الوطني إلى التتويج بكأس العرب، ووقّع حضورًا تاريخيًا في الألعاب الأولمبية بحصد ميدالية برونزية، إنجاز أعاد الاعتبار للمدرب الوطني وأكد أن الكفاءة المحلية قادرة على تحقيق النتائج متى توفرت لها الثقة والدعم. ومع ذلك، وجد نفسه بعيدًا عن منصة الشرف، في مشهد بدا صادمًا لكثيرين.

في الجهة المقابلة، أظهرت صور أخرى من الحدث نفسه امتلاء منصات الـVIP بوجوه معروفة في عالم الشهرة والتأثير الرقمي، لا يجمعها بالميدان سوى الحضور الرمزي أو الاجتماعي. مفارقة لافتة تختصر أزمة أعمق: صانع الإنجاز في المدرجات، وصانع الضجيج في الصفوف الأمامية.

قد يُقال إن الجلوس وسط الجمهور خيار شخصي، وقد سبق لمدربين آخرين أن فعلوا الأمر نفسه. غير أن هذا التبرير يتجاهل جوهر النقاش. فالقضية لا تتعلق برغبة فردية، بل بثقافة مؤسساتية يفترض أن تُرسّخ منطق الاعتراف الرمزي. في التجارب الرياضية الرائدة، يُنظر إلى منصة الشرف باعتبارها فضاءً للتكريم، لا للاستعراض، ورسالة واضحة حول من تستحق إنجازاته التقدير.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة إلى ترسيخ ثقافة الاعتراف، والتربية على قيم النبل والذكاء العاطفي داخل الفضاء الرياضي. لقد برهن المدرب الوطني الخلوق طارق السكتيوي على خلق رفيع وتواضع أنيق، يليق برجل يستشعر قيمة الانتماء، ويقدّم نموذجًا أخلاقيًا راقيًا، مليئًا بالرسائل الإيجابية التي احتضنها الجمهور المغربي بشغف. ويكفيه فخرًا تلك المحبة الغامرة، العابرة لحدود المغرب، والمنفتحة على آفاق أرحب، في وقت يبقى فيه المجال مفتوحًا لمزيد من تصحيح الهفوات، وتثبيت المكتسبات، والاعتراف بالفعاليات الوطنية الحقيقية.

الإشكال، في عمقه، يتجاوز مسألة مقعد في ملعب. إنه سؤال قيم ورسائل. ما الذي يُقال للأطر الوطنية الشابة التي تراقب المشهد؟ هل الاجتهاد والعمل في صمت والتفاني في خدمة الوطن مسارات حقيقية للاعتراف؟ أم أن الشهرة، أيًّا كان محتواها، باتت المفتاح الأسهل للمرور إلى الصفوف الأمامية؟

تكريم الكفاءات لا يحتاج دائمًا إلى قرارات رسمية أو احتفالات كبرى. أحيانًا، يكون الاعتراف الرمزي في اللحظة المناسبة أبلغ من أي خطاب. لأن الدول التي تحترم مسارها الرياضي تعرف جيدًا كيف ترتّب رموزها، ومن تضع في الواجهة، ومن يكتفي بالمشاهدة.

ما حدث في هذا المشهد ليس تفصيلاً عابرًا في مباراة، بل مؤشر على خلل في ترتيب الأولويات داخل الفضاء الرياضي. خلل لا يغيّر نتيجة لقاء، لكنه يؤثر على الثقة، وعلى الإحساس بالإنصاف، وعلى صورة منظومة تطمح إلى ترسيخ مكانتها قارّيًا ودوليًا.

الصورة لا تكذب، لكنها تطرح أسئلة مشروعة:
هل نُحسن فعلًا تكريم من يصنعون مجد الرياضة الوطنية؟
أم أننا ما زلنا نُجيد الاحتفاء بالواجهة، ونغفل الجوهر؟