غياب المحاسبة يكرس الإفلات من العقاب في المغرب

الوطن24/ خاص
تظل مكافحة الفساد في المغرب أحد التحديات الكبرى التي تواجه الدولة والمجتمع المدني على حد سواء. في هذا السياق، تبرز انتقادات رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، حول التراخي في محاسبة المتورطين في الاختلالات المالية والإدارية التي يكشف عنها المجلس الأعلى للحسابات. انتقاده لم يكن مجرد موقف عابر، بل هو انعكاس لصورة قاتمة عن واقع محاسبة المسؤولين الكبار في البلاد، إذ يظل هؤلاء بعيدين عن أية مساءلة قضائية، رغم وجود تقارير دقيقة توثق المخالفات.
تقارير المجلس الأعلى للحسابات: بين الشفافية والواقع المعطل
من المعروف أن المجلس الأعلى للحسابات يلعب دورًا محوريًا في مراقبة صرف المال العام وكشف التجاوزات الإدارية، إلا أن الغلوسي يرى أن تقارير المجلس لا تعدو كونها “مناسبة للاحتفال” دون أن تُفضي إلى نتائج عملية. يتساءل الغلوسي: ماذا بعد صدور هذه التقارير؟ هذا السؤال ليس مجرد استفسار عن غياب المحاسبة، بل هو تأكيد على أن التقارير التي يُحتفل بها لا تُترجم إلى أفعال حقيقية على الأرض. فالمجتمع المدني والمواطنون يبقون في انتظار تحرك القضاء بعد الكشف عن المخالفات، إلا أن هذا التحرك لا يأتي، خصوصًا فيما يتعلق بمسائلة كبار المسؤولين.
إفلات الكبار: صمت النيابة العامة
من الملاحظ أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات، رغم إحالتها على النيابة العامة، لا تشمل في الغالب المسؤولين الكبار، بل تقتصر على منتخبين وموظفين أدنى مرتبة. وهذا يثير العديد من الأسئلة حول مدى جدية الدولة في محاربة الفساد. يقول الغلوسي إن المسؤولين الكبار يظلون بعيدين عن المحاسبة، ما يعزز الشعور العام بأن “الإفلات من العقاب” هو القاعدة السائدة. وهذا الوضع يعكس ضعفًا في المؤسسات القضائية والتشريعية، ويثير تساؤلات حول سيادة القانون والمساواة أمام العدالة.
إن فشل النظام القضائي والإداري في محاسبة المسؤولين الكبار يعكس واقعًا مريرًا يعاني منه المغرب، حيث تظل القضايا الكبرى الخاصة بالمال العام محفوظة في الأدراج أو تُقابل ببرودة تامة، مما يسهم في تشجيع الفساد ويؤدي إلى استشراء هذه الآفة. في الوقت نفسه، يتحمل المواطن العادي والفئات الأكثر هشاشة فاتورة الفساد من خلال تدهور الخدمات العامة، وزيادة الفوارق الاجتماعية، والتراجع في قدرة الدولة على توفير الحاجات الأساسية للمواطنين.
الحديث عن سيادة القانون: ضرورة الملاءمة بين الشعارات والواقع
الغريب في الأمر هو أن المغرب يعتبر نفسه في طليعة الدول الساعية لإصلاح النظام القضائي، لكن هذا الإصلاح يظل حبرًا على ورق في ما يتعلق بمحاكمة الفاسدين الكبار. فكلما زُعم أن هناك إصلاحًا قضائيًا أو إداريًا، تظهر الحقائق على الأرض لتؤكد العكس. وهذا يشير إلى ضرورة وجود إرادة حقيقية لتغيير هذا الواقع، حيث يتطلب ذلك بناء آلية حقيقية لتفعيل التقارير الدورية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع تعزيز استقلالية القضاء لضمان محاكمة عادلة وشفافة.
حجم المخالفات: بين التوثيق والتجاهل
الغريب في تقارير المجلس الأعلى للحسابات أن حجم المخالفات المرصودة في تقاريره يبقى “محدودًا” مقارنة مع حجم الفساد الحقيقي على الأرض. لا شك أن التقارير توفر معلومات هامة، ولكنها قد تكون غير كافية لتعكس الصورة الكاملة لحجم الفساد في الإدارة المغربية، خاصة إذا كانت هذه التقارير لا تؤدي إلى محاسبة فعالة. الغلوسي أشار إلى أن أحد الأسباب التي قد تقف وراء هذا التقدير المحدود هو ضعف الموارد البشرية والمادية للمجلس، بالإضافة إلى تعدد صلاحياته الذي قد يعيق تنفيذ مهامه بشكل كامل وفعال.
الإفلات من العقاب: حصيلة الفشل المؤسساتي
إلى جانب عدم محاسبة كبار المسؤولين، يظل “الإفلات من العقاب” سمة بارزة في المغرب، فالفاسدون في السلطة يستمرون في مراكمة الثروات بطرق غير مشروعة، ويتقلدون المناصب العامة، مما يعزز الشعور العام بالإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات. ففي غياب المحاسبة الفعلية، يبدو أن الفاسدين يواصلون نهب المال العام دون خوف من أي عواقب. هذه الحلقة المفرغة تضر بنظام العدالة وتزيد من فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
الآفاق المستقبلية: من الأمل إلى الواقع الملموس
إصلاح النظام القضائي والإداري في المغرب ليس بالأمر اليسير، ولكنه ليس مستحيلًا. يتطلب ذلك إرادة سياسية حقيقية من أعلى المستويات، مع ضمان استقلالية القضاء، وتعزيز دور المؤسسات الرقابية، وتفعيل محاسبة الجميع، مهما كانت مناصبهم. كما يجب على الحكومة والنيابة العامة أن تترجم التقارير التي يصدرها المجلس الأعلى للحسابات إلى إجراءات عملية، وأن تكون المحاسبة فعالة حتى لا يبقى الفساد مستشريًا.
إن الطريق إلى العدالة والمساواة في محاربة الفساد طويل، لكنه ليس مستحيلاً. على الدولة المغربية أن تتخذ خطوات جادة من أجل إعادة الثقة للمواطنين وتحقيق تطلعاتهم في العيش في دولة قانون حقيقية، حيث تكون المساءلة والمحاسبة هي القاعدة، لا الاستثناء.
الإفلات من العقاب وغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة يطرح بقوة الالتفاف على مشروع القانون الذي يجرم الإثراء غير المشروع الأمر الذي يجعل المال العام مستباحا، وقضايا فساد كثيرة لا زالت حبيسة الرفوف يطالها النسيان، والكثير من الأموال حولها شكوك وشبهات فساد بالملايير تناولتها الجمعية المغربية لحماية المال العام منها ما يتم تداوله حول مصير 840 مليار المخصصة للمخطط الاستراتيجي للتنمية بإقليم القنيطرة والتي لا زال يكتنفها الغموض.
