في قلب جبال المغرب… رئيس جماعة يقود مسيرة احتجاجية على الأقدام طلباً للعدالة المجالية

في مشهد نادرٍ ومعبّر عن عمق معاناة المغرب الهامشي، قاد رئيس جماعة أيت بوكماز التابعة لإقليم أزيلال، السيد خالد تيوكين، مسيرة احتجاجية مشياً على الأقدام نحو مقر جهة بني ملال خنيفرة، للمطالبة بحق الساكنة في التنمية، والبنيات التحتية، والخدمات الأساسية التي تعد من أبسط مقومات العيش الكريم في أي دولة حديثة.

تأتي هذه الخطوة الاحتجاجية الجريئة وسط تزايد أصوات سكان المغرب العميق الذين يشعرون بالإقصاء والتهميش، في وقت تعلن فيه الدولة التزامها برؤية المغرب الجديد المبني على العدالة المجالية والجهوية المتقدمة، كأحد أعمدة مشروع الدولة الاجتماعية.

التحرك الشعبي بقيادة رئيس الجماعة لم يكن عبثياً، بل جاء بعد طول انتظار واستنفاد كل السبل المؤسساتية الممكنة. فمطالب الساكنة لا تتعدى الحد الأدنى من الحقوق، منها:

  • إصلاح الطريق الجهوية رقم 302 (تيزي نترغيست) والطريق 317 (آيت عباس)، لما لهما من دور محوري في فك العزلة وربط المنطقة بالعالم الخارجي.
  • توفير النقل المدرسي ومحاربة الهدر المدرسي، خاصة في صفوف الفتيات.
  • تعيين طبيب قار بالمركز الصحي وتجهيزه، إلى جانب تحسين الولوج إلى العلاج وتوفير سيارة إسعاف.
  • ربط الدواوير بالماء الصالح للشرب، وتوفير تغطية شاملة لشبكة الهاتف والإنترنت.
  • إحداث ملاعب القرب وفضاءات الشباب، ومركز تكوين في المهن الجبلية لخلق فرص شغل تتلاءم مع طبيعة المنطقة.
  • بناء مدرسة جماعية وسدود تلية، لحماية السكان من الفيضانات وتشجيع التمدرس القروي.

كل هذه المطالب مشروعة وتندرج ضمن مقومات الحياة الأساسية في زمن الدولة الاجتماعية. وكان من الأجدر أن تجد طريقها إلى التنفيذ من دون اللجوء إلى خطوات احتجاجية.

يبقى السؤال المشروع: ما الذي يمنع والي الجهة أو ممثلاً عن الحكومة من النزول إلى الميدان والاستماع إلى هؤلاء المواطنين؟
لو وجد السكان من يحاورهم ويأخذ معاناتهم بجدية لما فكروا في السير عشرات الكيلومترات حاملين همّهم في أقدامهم.
هل تسعى الحكومة فعلاً إلى حل المشاكل أم أنها تزيد من تعقيدها؟
لقد شهدنا كيف بدأت احتجاجات الريف بمطالب اجتماعية بسيطة، ثم تطورت بسبب غياب آليات الإنصات إلى ما لا يُحمد عقباه.
هل ينتظر المسؤولون أن يتكرر السيناريو في جبال الأطلس؟

في موقف داعم، عبّرت الفدرالية المغربية لجمعيات الدفاع عن حقوق المستهلك عن تضامنها الكامل مع ساكنة أيت بوكماز، مؤكدة أن ما تعانيه الجماعة ليس حالة معزولة، بل يعكس فشلاً ممنهجاً في تطبيق الجهوية المتقدمة على أرض الواقع في عدد من جهات المغرب.

وقالت الفدرالية، في بيان رسمي، إنها تتابع بقلق بالغ استمرار التفاوت التنموي في مناطق المغرب الجبلي والقروي، معتبرة أن هذه المطالب جزء من صلب المشروع المجتمعي المغربي القائم على المساواة والكرامة وحق الجميع في الاستفادة من ثروات البلاد.

رغم الخطابات الرسمية التي تبشّر بتقدم كبير في تنزيل مبادئ الدولة الاجتماعية، إلا أن ما يعيشه مواطنو جماعة أيت بوكماز، وغيرها من مناطق المغرب المهمشة، يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى صدقية هذا المشروع الوطني، ويؤكد الحاجة إلى إرادة سياسية قوية واستثمارات حقيقية تُنصف المناطق المحرومة.

إن خطوة رئيس الجماعة ليست فقط فعلاً احتجاجياً، بل نداء من عمق المغرب إلى مؤسسات القرار المركزي والجهوي، لتفعيل مفهوم التنمية الشاملة والعدالة المجالية. وهي كذلك دعوة لفتح حوار مسؤول وشجاع حول كيفية إنقاذ المغرب القروي من العزلة والتهميش.

يبقى الأمل قائماً في أن تجد هذه الرسائل الميدانية الصادقة طريقها إلى الفعل، وألا يُنظر إليها كحالات استعراضية معزولة، لأن كرامة المواطن في المغرب لا ينبغي أن تكون رهينة الجغرافيا أو الوعود الموسمية.