قانون المالية لسنة 2027 والإشكاليات المعقدة للقطاع الصحي بالمغرب

يُعتبر قانون المالية الوثيقة السياسية بامتياز التي تترجم اختيارات الدولة وتوجهاتها ، فهو ليس مجرد أرقام محاسبية، بل هو تعبير مباشر عن العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. ومن هذا المنطلق السوسيولوجي، يكتسي تحليل قطاع الصحة في قانون المالية أهمية قصوى، خاصة بعد التحولات التي عرفها المغرب عقب جائحة كوفيد-19 وحراك جيل Z صيف 2025 الذي رفع شعار “الصحة والتعليم قبل المونديال”.

1. على مستوى الميزانية:
خصص المشروع غلافا ماليا إجماليا قدره 152,3 مليار درهم لقطاعي الصحة والتعليم معا، مقابل 144,6 مليار درهم سنة 2026، بزيادة 7,7 مليار درهم. وحصة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وحدها بلغت 45,4 مليار درهم، بزيادة 3 مليارات درهم ونسبة نمو 7,1% مقارنة بسنة 2026 (42,4 مليار درهم).

2. على مستوى الموارد البشرية:
تم إحداث 8000 منصب مالي في قطاع الصحة، بنفس وتيرة سنة 2026، لسد العجز القائم في الأطقم الطبية والصحية.

3. على مستوى البنية التحتية والحكامة:
يتضمن المشروع حسب عرض السيد فوزي لقجع وزير الاقتصاد والمالية:

  • إطلاق أشغال بناء مركز استشفائي جامعي جديد بالدار البيضاء
  • مواصلة بناء وتجهيز المراكز الاستشفائية الجامعية بمراكش والعيون وكلميم والرشيدية وبني ملال
  • مواصلة بناء 32 مركزا استشفائيا إقليميا وجهويا وتأهيل وتجديد 90 مستشفى
  • مواصلة المرحلة الثانية من إعادة تأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية
  • تسريع رقمنة المنظومة واستكمال الإصلاح المؤسساتي عبر تعميم المجموعات الصحية الترابية (GST)

والإشكالية التي تطرح: هل ستستجيب هذه الميزانية والمشاريع المقترجة للانجاز لحلول الأزمات المعقدة للقطاع الصحي بالمغرب؟ هذا ما سنتطرق إليه في المحور الثاني.

رغم هذه الأرقام الطموحة، يظل القطاع يعاني من إشكاليات بنيوية معقدة:

ويمكن إجمالها فيما يلي :

  1. نقص التمويل المزمن: يخصص المغرب حوالي 7-8% فقط من ميزانيته العامة للصحة، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي (11%) وتوصيات منظمة الصحة العالمية (10-15%). فالدولة لا تزال تنظر للصحة كـ “تكلفة” وليس كاستثمار.

2- تسليع الصحة :
حافظت الدولة على جوهر السياسات النيوليبرالية، حيث يتم التركيز على برامج مستهدفة للفئات الهشة مع الإبقاء على منطق السوق وتغول القطاع الخاص الصحي.
3- أزمة الثقة والعنف الرمزي:
العلاقة بين المواطن والمستشفى العمومي مطبوعة بالعنف الرمزي (بلغة بورديو). فالمستشفى العمومي أصبح فضاء للإذلال بدل العلاج، بسبب أزمة الولوج إلى العلاجات، وضعف سلة العلاجات، وأزمة الحكامة الداخلية.كل هذا يقتضي من الحكومة الحالية معالجة هاته الاشكاليات المعقدة وأنسنة الصحة العمومية.

إن قانون المالية 2027 يمثل خطوة كمية مهمة (45,4 مليار درهم) لكن إصلاح المنظومة الصحية يحتاج إلى فلسفة جديدة تعيد الاعتبار للدولة الاجتماعية كما أرادها جلالة الملك محمد السادس نصره الله.واكدها في العديد من خطبه وتوجيهاته.
فالصحة في منظور علم الاجتماع السياسي ليست خدمة، بل هي من الحقوق الاساسية لكل مواطن والتحدي الحقيقي أمام الحكومة هو تحويل هذه الميزانية إلى عدالة صحية ملموسة مبنية على التوزيع المجالي المنصف.

المراجع والهوامش

1.انظر الموقع الالكتروني لوزارة الاقتصاد والمالية، مذكرة تقديم مشروع قانون المالية 2027، أكتوبر 2026.

  1. انظر عرض السيد فوزي لقجع وزير الاقتصاد والمالية أمام البرلمان، أكتوبر 2026.منشورات البرلمان
  2. الموقع الإلكتروني لمنظمة الصحة العالمية، توصيات حول الإنفاق الصحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *