المغرب: أكاديمية بملايين الدراهم.. وسوق الأربعاء الغرب تنتظر فتح ملعبها! أين العدالة في توزيع الاستثمارات الرياضية؟

أعاد تداول معطيات بشأن تخصيص اعتماد مالي بقيمة 25 مليون درهم، أي ما يعادل 2.5 مليار سنتيم، للمساهمة في إحداث أكاديمية لكرة القدم لفائدة نادي اتحاد يعقوب المنصور، النقاش حول أولويات الاستثمار العمومي في المجال الرياضي بالمغرب، ومعايير توزيع المشاريع بين الأندية والمدن والمناطق التي ما تزال تعاني نقصاً في البنيات التحتية الرياضية.

وبينما تتجه الأنظار إلى المشاريع الجديدة والأكاديميات الحديثة، تبرز أسئلة لا تقل أهمية عن مستقبل كرة القدم المغربية، من بينها: ماذا عن المدن التي تتوفر على تاريخ كروي عريق، لكنها ما تزال تنتظر تأهيل ملاعبها وفتحها أمام أنديتها وجماهيرها؟ وأين موقع العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات الرياضية؟

وتقدم مدينة سوق الأربعاء الغرب بإقليم القنيطرة مثالاً واضحاً على هذا الإشكال، بعدما ظل ملعبها البلدي موضوع تساؤلات متكررة بشأن تأخر دخوله حيز الاستغلال، رغم مرور سنوات على إطلاق مشروع تهيئته وتوسعته.

بحسب المعطيات المتداولة بشأن مشروع قانون المالية لسنة 2027، يتعلق الأمر ببرمجة مساهمة مالية عمومية لإنجاز أكاديمية لكرة القدم لفائدة اتحاد يعقوب المنصور. غير أن القيمة النهائية للمشروع ومصادر تمويله وشروط الاستفادة منه ومراحل تنفيذه تظل عناصر تستوجب توضيحاً رسمياً.

ولا يتعلق النقاش هنا برفض بناء الأكاديميات أو الاعتراض على تطوير الأندية الصاعدة، بل بضرورة معرفة المعايير التي تحكم توزيع الاستثمارات العمومية، ومدى استجابتها لحاجيات الأندية والمدن التي تعاني خصاصاً في المنشآت الرياضية.

فمن حق كل نادٍ أن يطمح إلى امتلاك أكاديمية ومركز تدريب حديث، لكن من حق المواطنين أيضاً أن يسألوا عن نصيب مدنهم من برامج التأهيل، خصوصاً عندما تظل ملاعب قائمة مغلقة، وتضطر فرق محلية إلى التنقل خارج مدنها لاستقبال منافسيها أو إجراء تداريبها.

وهنا تبرز الحاجة إلى سياسة رياضية متوازنة، لا تجعل تطوير منشأة في مدينة ما منفصلاً عن حاجيات المدن الأخرى، ولا تسمح بأن تبقى بعض المناطق خارج دائرة الاهتمام لسنوات طويلة.

من الصعب الحديث عن كرة القدم في منطقة الغرب من دون استحضار الاتحاد الرياضي الغرباوي، النادي الذي ارتبط اسمه بمرحلة من تاريخ الكرة المغربية، وواجه أندية كبيرة في مباريات بقيت راسخة في ذاكرة جماهيره.

فقد شهدت مسيرة الفريق محطات رياضية مهمة، وارتبط اسمه بمنافسات أمام أندية عريقة، من بينها الجيش الملكي والمغرب الفاسي، وفق ما تتناقله الذاكرة الرياضية المحلية وشهادات المتابعين لتاريخ النادي.

ولم يكن الملعب البلدي بسوق الأربعاء الغرب مجرد فضاء لإجراء المباريات، بل كان جزءاً من ذاكرة المدينة، ومكاناً اجتمعت فيه الجماهير لمساندة فريقها ومشاهدة مباريات أمام أندية من مختلف مناطق المملكة.

لكن الزمن تغير، وتراجعت الإمكانات الرياضية، بينما بقيت المدينة تنتظر بنية تحتية تستجيب لتطلعات شبابها وأنديتها.

واليوم، تتوفر سوق الأربعاء الغرب على الاتحاد الرياضي الغرباوي والأمل الغرباوي، إلى جانب فريق نسوي ومكونات رياضية أخرى، وفق المعطيات المحلية. وهي أندية تحتاج إلى فضاء مناسب للتدريب والمنافسة، وإلى رؤية تتيح للمواهب المحلية فرصة التطور دون أن تصبح كلفة التنقل أو غياب الملعب عائقاً إضافياً أمامها.

فكيف يمكن مطالبة هذه الأندية بتحقيق نتائج أفضل وتكوين لاعبين قادرين على المنافسة، إذا كانت أبسط شروط الممارسة الرياضية لا تزال موضع انتظار؟

المثير في ملف سوق الأربعاء الغرب أن مشروع تهيئة وتوسعة الملعب البلدي ليس فكرة جديدة أو مطلباً ظهر اليوم.

ففي مارس 2021، أُعلن عن اتفاقية شراكة لترميم الملعب وتعشيبه، مع أشغال تشمل مرافق الملابس والمدرجات وبعض التجهيزات الضرورية. وقد تجاوزت الكلفة المعلن عنها آنذاك 8 ملايين درهم، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

غير أن الملف عاد إلى الواجهة في يوليوز 2026، بعدما وُجّه سؤال كتابي إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بشأن أسباب تأخر فتح الملعب البلدي أمام الأندية والجمعيات والشباب.

وأشار السؤال إلى أن الأشغال كانت قد انتهت، بحسب المعطيات الواردة فيه، بينما ظل الملعب مغلقاً، ما يضطر الفرق إلى إجراء مبارياتها وتداريبها بملاعب في مدن مجاورة، مع ما يترتب عن ذلك من أعباء مالية ولوجستيكية، فضلاً عن حرمان الجماهير من متابعة فرقها داخل مدينتها.

كما طُلب توضيح ما إذا كان التسلم النهائي للمشروع قد تم، وما إذا كانت هناك ملاحظات تقنية أو أشغال متبقية، ومتى سيُفتح الملعب أمام مستعمليه.

وتطرح هذه المعطيات سؤالاً أساسياً: إذا كانت الأشغال قد انتهت فعلاً، فما الذي يمنع فتح الملعب؟ وإذا كانت هناك أسباب تقنية أو إدارية تحول دون ذلك، فلماذا لم تُقدَّم للرأي العام توضيحات كافية ومقنعة بشأنها؟

إن الأمر لا يتعلق بتفصيل إداري بسيط، بل بمرفق عمومي يرتبط بحق الشباب في ممارسة الرياضة، وبقدرة الأندية على الاستمرار، وبحق الجماهير في متابعة فرقها دون الاضطرار إلى التنقل بين المدن.

السؤال الذي ينتظر سكان سوق الأربعاء الغرب جواباً عنه هو: من يتحمل مسؤولية استمرار إغلاق الملعب البلدي، وما الجهة التي تملك صلاحية إنهاء هذا الوضع؟

إن تحديد المسؤولية لا ينبغي أن يتم عبر التخمين أو توجيه اتهامات غير مثبتة، بل من خلال الكشف عن الاتفاقية الأصلية، والتزامات كل طرف، ومحاضر التسلم، وأي ملاحظات تقنية أو إدارية حالت دون استغلال المنشأة.

فقد تتداخل مسؤوليات القطاعات الحكومية والجماعة الترابية والجهات المساهمة في المشروع، لكن هذا التداخل لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لاستمرار الانتظار من دون أفق واضح.

والمطلوب هو جواب رسمي يحدد بدقة المرحلة التي وصل إليها المشروع، والجهة المسؤولة عن استكمال الإجراءات المتبقية إن وجدت، والجدول الزمني لفتح الملعب أمام الأندية والجماهير.

كما أن استمرار الفرق في اللعب خارج المدينة يفرض النظر في الأعباء الإضافية التي تتحملها، وفي انعكاس ذلك على ميزانياتها واستقرارها الرياضي، خصوصاً بالنسبة إلى الأندية ذات الموارد المحدودة.

إن ملف سوق الأربعاء الغرب يعيد النقاش إلى نقطة جوهرية: هل تُرتَّب الاستثمارات الرياضية وفق خريطة وطنية واضحة للحاجيات والأولويات، أم أن بعض المشاريع تحظى بالتقدم بينما تظل مشاريع أخرى معلقة لسنوات؟

لا يعني ذلك أن الاستثمار في أكاديمية جديدة أمر غير مطلوب، ولا أن المدن يجب أن تتنافس فيما بينها على الموارد المحدودة. بل يعني أن تطوير كرة القدم الوطنية ينبغي أن يجمع بين بناء منشآت جديدة، واستكمال المشاريع المتعثرة، وتأهيل الملاعب الموجودة، وضمان استفادة مختلف المناطق من فرص التكوين والممارسة.

ومن حق مدينة سوق الأربعاء الغرب أن تتساءل عن نصيبها من برامج التأهيل الرياضي، بالنظر إلى تاريخها الكروي، ووجود أندية تمثلها، وحاجتها إلى فضاء ملائم لاحتضان المباريات والتداريب.

كما أن من حق مدن أخرى تعاني مشكلات مشابهة أن تطالب بمعايير معلنة لتحديد الأولويات، تراعي حجم الخصاص، وعدد المستفيدين، والقدرة على استثمار المنشآت، والأثر الاجتماعي والرياضي للمشاريع.

نحن بصدد الحديث عن العدالة المجالية والعدالة الرياضية، وعن ضرورة تجاوز أعطاب «مغرب السرعتين»؛ مغرب تتقدم فيه بعض المشاريع والتجهيزات الرياضية بوتيرة متسارعة، بينما تظل مدن أخرى تنتظر استكمال مشاريعها وفتح ملاعبها أمام الشباب والأندية والجماهير.

فليس من الإنصاف أن ينحصر النقاش في بناء أكاديميات جديدة، مهما كانت أهميتها، دون الالتفات إلى المدن التي راكمت تاريخاً رياضياً وكروياً، لكنها لا تزال تعاني نقصاً في البنيات التحتية أو تأخراً في استغلال المنشآت التي خُصصت لها اعتمادات مالية عمومية.

إن العدالة الرياضية ليست امتيازاً تمنحه الجهات المسؤولة لبعض الأندية، بل هي جزء من العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين أبناء الوطن الواحد. وهي تقتضي أن تستفيد المدن والقرى، على اختلاف أحجامها وإمكاناتها، من سياسات عمومية تستجيب لحاجياتها الفعلية، وتضمن للشباب حقهم في ممارسة الرياضة والتكوين والتنافس في ظروف ملائمة.

ومن هذا المنطلق، فإن قضية سوق الأربعاء الغرب تتجاوز حدود ملعب مغلق أو فريق يضطر إلى اللعب خارج مدينته؛ إنها تطرح سؤالاً أوسع حول مكانة المدن الصغرى والمتوسطة في خريطة الاستثمار الرياضي الوطني، ومدى قدرتها على الاستفادة من ثمار التنمية التي يشهدها المغرب.

إن تجاوز أعطاب مغرب السرعتين يمر عبر الانتقال من منطق الإعلان عن المشاريع إلى منطق الإنصاف في توزيعها، ومن الوعود إلى النتائج، ومن الاستثمار المنعزل إلى سياسة رياضية وطنية متوازنة. فالمطلوب ليس إيقاف المشاريع الجديدة، وإنما ضمان ألا تبقى مدن أخرى تنتظر سنوات من أجل الاستفادة من أبسط شروط الممارسة الرياضية.

فالمغرب الذي يطمح إلى الريادة الكروية يحتاج إلى ملاعب حديثة وأكاديميات متطورة، لكنه يحتاج أيضاً إلى عدالة في توزيع الفرص، وإلى مؤسسات تنصت إلى مطالب المدن وساكنتها، وتتعامل مع الرياضة باعتبارها حقاً مجتمعياً ورافعة للتنمية، لا مجرد واجهة للمشاريع الكبرى.

لا تكمن المشكلة في غياب المواهب الكروية وحده، بل في الظروف التي تسمح لهذه المواهب بالظهور والتطور.

فالشاب الذي يضطر فريقه إلى التدريب بعيداً عن مدينته لا يواجه تحدياً رياضياً فقط، بل يواجه أيضاً صعوبات مرتبطة بالتنقل والإمكانات المالية وظروف التكوين. والجماهير التي لا تستطيع مشاهدة فريقها داخل مدينتها تفقد جزءاً من علاقتها اليومية بناديها، فيما تتراجع قدرة الملعب على أداء دوره الاجتماعي والتربوي.

ومن هنا، فإن ملف سوق الأربعاء الغرب لا ينبغي أن يبقى قضية محلية معزولة، بل يستحق أن يكون جزءاً من نقاش وطني حول الحق في البنية التحتية الرياضية، وسبل دعم الأندية التي لا تتوفر على إمكانات مالية كبيرة.

كما أن الأمر يستدعي تضافر جهود المنتخبين والمسؤولين الحكوميين والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والهيئات الرياضية المحلية، من أجل وضع حلول عملية، بدل الاكتفاء بتبادل المسؤوليات أو تقديم وعود لا تنتهي إلى نتائج ملموسة.

إن قضية أكاديمية اتحاد يعقوب المنصور، وما تثيره من تساؤلات حول توزيع الاستثمارات، تتيح فرصة لفتح نقاش أوسع بشأن حكامة القطاع الرياضي في المغرب.

لكن هذا النقاش لن يكون مكتملاً ما لم يشمل المدن التي تنتظر استكمال مشاريعها، ومن بينها سوق الأربعاء الغرب، التي تحتاج اليوم إلى جواب واضح بشأن مصير ملعبها البلدي.

وتتوجه الأسئلة إلى الجهات المعنية: ما الأسباب الدقيقة التي حالت دون فتح الملعب؟ وهل استُكملت إجراءات التسلم؟ وما الالتزامات التي ما تزال عالقة؟ ومن سيتولى حسم الملف؟ وما الموعد المحدد لعودة الأندية والجماهير إلى هذا المرفق؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مطلباً لفريق بعينه، بل حق للمدينة وساكنتها وشبابها، الذين ينتظرون استعادة فضاء رياضي يفترض أن يكون في خدمة الجميع.

إن الإنصاف الرياضي يبدأ من توزيع عادل للفرص، ومن استكمال المشاريع المبرمجة، ومن احترام حق الأندية والجماهير في الاستفادة من المنشآت العمومية. أما استمرار الانتظار من دون توضيح كافٍ، فيبقي سؤال المسؤولية مفتوحاً، ويجعل مطلب سوق الأربعاء الغرب اليوم واضحاً: نريد معرفة الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وموعداً رسمياً لفتح الملعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *