كيف تفهم الاستعمار في تدوينة واحدة

الوطن 24/ بقلم: الدكتور إدريس الكنبوري
ذكرى المسيرة الخضراء تذكرني بوالدي رحمه الله تعالى. كنت صغيرا ودعي والدي إلى تلبية نداء الحسن لأنه صاحب شاحنة بيرلي حمراء. ذهب والدي حتى وصل الداخلة ولم يستطع المواصلة نتيجة عياء شاحنة بيرلي الحمراء، فعاد أدراجه ليروي لنا جانبا من ملحمة عاش نصفها وعاش الباقون نصفها الثاني ونقل لنا التلفزيون النصفين معا وإن لم نحضر. لكن والدي لم يرجع إلينا خاويا، بل حمل معه أكياسا من دقيق السكر وصناديق السردين المعلب التي كنا نستغلها في الأكل واللعب.
تلك ملحمة وطنية عظيمة لا تزال ترن في الآذان أغانيها وموسيقاها الصداحة. وحدها تلك الأغاني الاستثنائية تبين لنا أن شعبا بلا ملحمة شعب فقير، لكن الشعب الفقير لا ينتفع بالملاحم.
قصة المسيرة الخضراء هي قصة الاستعمار الأوروبي تماما، هي عنوان العلاقة المختلة بين أوروبا ومستعمراتها السابقة، وعنوان النهب والهيمنة، بحيث إن حملوا عليك تلهث وإن تركوك تلهث.
حصل المغرب على الاستقلال عام 1956. لكن الدولة لم تستقر والحكم لم يستتب بسبب الصراع على السلطة ورغبة القضاء على الملكية التي حمل لواءها المهدي بن بركة وآخرون معه. من الستين إلى السبعين صراعات وحروب ودولة تحاول أن تستقر وأراض مسروقة سرقها الاستعمار الفرنسي والإسباني من دولة عريقة كانت تخيف أوروبا المسيحية قبل ذلك بقرن من الزمن.
بداية السبعينات انقلابان عسكريان كشفا بأن الصراع في بطن الدولة بين الأمعاء والمعدة بقي مستمرا منذ الاستقلال. دولة لم تسترح ونظام لم يجد فرصة للتفكير في نفسه وشعب يتصارع عليه الجميع.
14 عاما من عدم الاستقرار وعدم البناء، وواجهتان للصراع، في الداخل الانقلابيون، وفي الخارج الصراع من أجل استكمال الوحدة الترابية. ثم فجأة ها هو فرانكو يحتضر على سريره، الفاشي الوحيد الذي لم ينتحر مثل هتلر ولم يقتل مثل موسوليني، بل مات ميتة طبيعية مثل ستالين. ويجد الحسن الثاني أن الفرصة مناسبة لمباغثة الجيش الإسباني بتفاهم مع القوة العظمى، لأن الحرب خدعة وهي استمرار للسياسة بطرق أخرى، لكن فقط إذا فشلت السياسة.
منذ ذلك التاريخ والمغرب في عناء يقسم مهامه بين الحروب الديبلوماسية في الخارج والحروب ضد التخلف والفقر في الداخل. وضع استثنائي يكاد يكون غريبا. والآن تمر 45 سنة. ولنا أن نتخيل بلدا لديه مشكلة كبرى معلقة لمدة 45 سنة. 45 سنة من الإنفاق و45 سنة من الكفاح و45 سنة من الانتظار و45 سنة من التوقع. ربما لو كان بلد آخر لانهار، ولكن المغرب بقي واقفا وقويا، بل رغم كل شيء اغتنى فيه أقوام وانتقلوا من حضيض الفقر إلى قمة الثراء وأصحاب المشاريع. كل هذا في بلد 45 سنة من الإنفاق و45 سنة من الانتظار و45 سنة من التوقع.
هذا يعني أن المغرب كان سيكون تنين العالم العربي بدون مبالغة إطلاقا، لو أنه خرج من الاستعمارين الفرنسي والإسباني دون مخلفات وبكامل ترابه شمالا وجنوبا. إنه البلد العربي الوحيد الذي احتلته قوتان أوربيتان، وخرجتا منه وقد تركت كل واحدة منهما وراءها مسمار جحا وجحا شخصيا.
لكن بلدا كهذا كان يستحق نخبة سياسية أفضل، ومثقفين أفضل، وحكومات أفضل. لذلك يبقى المغرب بلدا عظيما بنخبة دنيا ألهاها التكاثر ولن تسكتها سوى زيارة المقابر، لأن سياسة محاربة الفساد فشلت والبرامج فشلت والمعول على الموت، مفرق الجماعات وهادم اللذات ومغير الحكومات.
