ماذا كشف أوزين عن الصحافة بالمغرب؟ أسئلة محرجة بلا أجوبة مقنعة

لم يكن المقال الذي وقّعه محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، ولا صرخته من قلب البرلمان المغربي خلال جلسة برلمانية استثنائية ضد التفاهة والسفاهة في الفضاء الإعلامي، مجرد رد فعل عابر أو انفعال لغوي ظرفي، بل جاء بمثابة جرس إنذار أعاد طرح سؤال مؤجل: إلى أين تتجه الصحافة بالمغرب، ومن يتحمل مسؤولية ما آلت إليه؟

أوزين لم يقدّم وصفًا تقنيًا دقيقًا لأزمة الإعلام، لكنه كشف، بشكل مباشر، حجم القلق الذي أصبح يسكن الفاعل السياسي نفسه تجاه مشهد إعلامي انفلت من الضوابط، واختلطت فيه الصحافة المهنية بمحتوى الإثارة، وتراجع فيه الخبر لصالح “الفرجة”، والتحليل لصالح “الترند”. هذا الكشف، مهما اختلفنا مع لغته أو حدّته، لا يمكن تجاهله.

قوة ما قاله أوزين لا تكمن فقط في حدة خطابه الأخلاقي، بل في الأسئلة الثقيلة التي فجّرها: من يحمي المهنة؟ من يضبط الحدود بين الصحافة والابتزاز؟ من ترك الفضاء الرقمي بلا تأطير حقيقي حتى أصبح ساحة مفتوحة لكل شيء، إلا للنقاش الرصين؟

هذا الجدل تزامن مع دفاع إدريس شحتان، رئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين (ANME) ومدير موقع شوف تيفي، عن نفسه وعن خط موقعه في سياق ما بات يُعرف إعلاميًا بـ“قضية الكراطة”. شحتان كتب من موقع مركّب: صحفي، وناشر، ورئيس إطار مهني يُفترض فيه لعب دور التوازن والتأطير، وهو ما جعل خطابه محل قراءة مضاعفة، لا باعتباره دفاعًا عن الذات فقط، بل باعتباره تعبيرًا عن رؤية جزء من الجسم الإعلامي نفسه.

دفاع شحتان مفهوم من زاوية شخصية ومهنية، لكنه أعاد إنتاج الإشكال ذاته: تحويل النقاش من مساءلة النموذج الإعلامي إلى تبادل الاتهامات الأخلاقية. فبدل فتح نقاش هادئ حول حدود الممارسة المهنية، والفاصل بين الصحافة الجادة ومحتوى الإثارة، جرى دفع النقاش نحو منطق الاستقطاب، في مشهد يعكس عمق الأزمة أكثر مما يقترح مخارجها.

وفي خضم هذا الجدل الساخن، ازدادت الساحة الإعلامية شحنًا بالأسئلة، خاصة أن السياق الزمني الذي أُثير فيه ملف الصحافة يتسم بالغليان، وبنقاش حاد وطروحات متناقضة حول ماهية الصحافة، وهويتها الوطنية، واستقلاليتها، ومسؤولية هيئاتها، وارتباطات الصحفيين المحلية والدولية، وحدود الحصانة الإعلامية والمناعة المهنية، ومحاولات الاختراق والتوظيف والاستغلال.

أسئلة كثيرة ومشروعة تثير القلق حول وضع الصحافة بالمغرب، والمستوى الذي آلت إليه. وفي السياق نفسه، توالت تصريحات وخرجات لصحفيين ومسؤولين إعلاميين ومؤثرين وسياسيين. من الشريط المسرّب والتعاليق التي رافقته، إلى مواقف المهداوي، وتصريحات كل من يونس مجاهد وعبد الله البقالي وخالد الحري، وصولًا إلى خرجات سياسيين، خاصة نبيل بن عبد الله وعبد الإله بنكيران، ثم تصريحات محمد أوزين الأخيرة التي كانت أكثر جرأة وشجاعة، ولا تنفصل عن اعترافات عبد الله البقالي.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الخرجات متباينة في المواقع والمسؤوليات، غير أن التدقيق فيها يكشف أنها تصب في المعنى نفسه: أن مهنة الصحافة بالمغرب ليست بخير، وأن هناك أيادي خبيثة تسعى إلى العبث بما حققه المغرب من تراكمات في مجال حرية التعبير وحرية الرأي وحقوق الإنسان. كما أن هناك سعيًا حثيثًا لتطويق هذه الحريات والحد منها، عبر سلسلة من الإجراءات والقوانين والتشريعات والمتابعات، تقودها الحكومة وبعض وزرائها، في اتجاه إخضاع الصحافة لتوجهات لا تنسجم مع روح الصحافة المستقلة.

وينخرط في هذه المعركة مسؤولون، ولجان، ومواقع، ومؤثرون، فيما الساحة الإعلامية تغلي بالمزايدات والتناقضات والتأويلات. غير أن منطق الأشياء يفرض الاعتراف بأن المشهد الإعلامي كثر فيه الغث وقل فيه السمين، وأن الرداءة والتفاهة يُراد لها أن تُكرَّس، بل وأن تُحصَّن بالقانون والمؤسسات، في مقابل تضييق ممنهج على الصحافة الجادة والمستقلة.

والأخطر في هذا السياق هو ما يُتداول عن محاولات اختراق تستهدف الصحافة بالمغرب، وعن عمل خبيث يرمي إلى صهينة جزء معتبر من الإعلاميين، والتمكين للفكرة الصهيونية في امتداداتها العامة. وفي المقابل، يبرز وعي لدى جزء معتبر من الصحفيين والسياسيين بخطورة هذا التحدي، يعملون على تعريته وفضحه، غير أنهم، في سبيل ذلك، يتعرضون لمؤامرات ودسائس وضغوط متعددة.

هذه هي ملامح الحرب المستعرة داخل الجسم الصحفي المغربي، وحدّة التباين والتوتر المستشري في دواليب الإعلام. فالصراع حول التحكم في الصحافة، باعتبارها سلطة رابعة، مرشح للاشتداد في قادم الأيام، كما أن الاصطفافات مرشحة للتعاظم. غير أن الوعي بحجم المخاطر يتنامى بدوره، ومن المؤكد أن معركة الهوية والاستقلالية ستظل حاضرة في مواجهة كل محاولات الاختراق والتدجين.